غزوة الاحزاب بين المنافقين والمؤمنين

    بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 28 ربيع الآخر 1448هـ الموافق له 9 تشرين الاول 2026م

غزوة الاحزاب بين المنافقين والمؤمنين

‏‏‏‏ككل حدث له قيمة، افرزت غزوة الاحزاب المسلمين بين منافق يقول (… ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)) (الاحزاب)، وبين المؤمنين الذين قالوا عندما رؤا الاحزاب يتجمعون (… هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)) (الاحزاب)، كذلك اليوم فان تداعيات السابع من تشرين ، عملية الطوفان قد قامت بعملية فرز حقيقية فبرزت اصوات تثبّط وتدعو الى الاحباط ،وتبشر بنهاية عهد المقاومة، وبقي المؤمنون على موقفهم رغم الدمار والشهداء والنزوح والآلام ، باعتبار ان طريق ذات الشوكة تقتضي تحمل النتائج الاليمة.

لن تصل الامة الى حالة الاستسلام الكامل للشمروع الصهيوني – الاميركي، ولا بد ان يكتب الله للمجاهدين فرجاً ونصراً، لانهم صدقوا واعدوا وبذلوا ولن تضيع جهودهم ابداً (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)) (هود).

ومن جهة اخرى، ثمة فارق كبير بين 7 اكتوبر 2023 وبين 6 اكتوبر 1973، وكلاهما عبور وتحطيم لخط “الدفاع” الاسرائيلي المحكم، ولكن الطو فان قام به شبان يؤمنون بحتمية زو ال اسرائيل، ويعتبرون هذه العملية محطة على طريق التحرير، يهدفون من خلالها الى “تبييض” السجون  كما قالوا، فيما حرب 1973على اهمية ما قامت به بتحطيم خط بارليف المحكم، الا انها كانت تهدف مسبقاً الى مفاوضات سلام وصولا الى “سلام” شامل، سمي لاحقاً (كامب ديفيد)… فارق كبير بين الامرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وورد في الخطبة ما يلي:

موقف المؤمنين وموقف المنافقين:

من أهم الدروس التي نستخلصها من غزوة الأحزاب اختلاف مواقف الناس عندما تشتد المحن،  فقد رأى المؤمنون جموع الأحزاب تحيط بالمدينة، ولم تكن أمامهم ضمانات ظاهرة للنصر، ومع ذلك كان موقفهم مختلفًا عن موقف المنافقين، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22)، تأملوا هذه الآية: لم يقل المؤمنون ذلك بعدما انتهى الحصار، أو بعدما ظهرت علامات النصر، بل قالوه وهم يرون الخطر يقترب منهم. لقد أدركوا أن طريق الإيمان لا يخلو من الابتلاء، وأن الثبات لا يعني غياب الخوف، بل يعني ألّا يتحول الخوف إلى يأس، وألّا تدفع الشدائد الإنسان إلى التخلي عن مبادئه.

وقال المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الأحزاب: )، لقد نظر هؤلاء إلى الواقع من زاوية العجز والخوف، وقاسوا المستقبل على ما يرونه في لحظتهم الراهنة، فكيف يمكن، في نظرهم، الحديث عن فتح بلاد فارس والروم، بينما المسلمون محاصرون في المدينة، ويعيشون ظروفًا قاسية؟وهنا يظهر الفرق بين الموقفين: فالمؤمنون لم يجعلوا صعوبة الواقع دليلًا على بطلان ما يؤمنون به، بينما جعل المنافقون الشدة مدخلًا إلى التشكيك واليأس.

وقال الله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23)، إن العبرة ليست في أن المؤمن لا يشعر بالألم، أو أنه لا يرى اختلال موازين القوة، وإنما في كيفية تعامله مع الواقع: هل يفقد ثقته ويتراجع عند الشدائد، أم يواصل العمل بما يستطيع، مع إدراكه أن النتائج قد لا تتحقق وفق توقيته وتوقعاته؟ وهذا هو الدرس الذي نريد أن نستحضره ونحن ننظر إلى واقعنا المعاصر، ولا سيما ما يجري في فلسطين ولبنان.

من غزوة الأحزاب إلى الواقع الفلسطيني واللبناني:

عندما ننتقل من السيرة النبوية إلى أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما أعقبها من حرب مدمرة على غزة، ثم المواجهات التي شهدها لبنان، نجد مواقف متباينة في تقييم ما جرى، فقد وجّه منتقدون لحركة حماس أسئلة تتعلق بجدوى عملية السابع من أكتوبر، معتبرين أنها تسببت في دمار واسع وخسائر بشرية كبيرة في غزة، ومنحت إسرائيل ذريعة لتوسيع عدوانها، وظهرت انتقادات مشابهة في لبنان بشأن جبهة الإسناد، وما ترتب عليها من خسائر ودمار واحتلال لمناطق لبنانية، وأن الحكم على الأحداث من خلال نتائجها المباشرة وحدها لا يكفي، بل ينبغي النظر أيضًا إلى الأهداف التي أعلن أصحابها السعي إلى تحقيقها، وإلى طبيعة الصراع وظروفه ومآلاته، فمن بين الأهداف التي يسلّط عليها الضوء تحرير الأسرى، ومبادلة الأسرى الإسرائيليين بالأسرى الفلسطينيين، وإبقاء قضية الاحتلال والمقاومة حاضرة في المشهد السياسي، ويستشهد في هذا السياق بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، وقوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 140].

إن اختلال موازين القوة في مرحلة معينة لا يكفي وحده للحكم على مسار الصراع كله، كما أن الاستشهاد بغزوة الأحزاب لا يعني أن الأحداث المعاصرة تطابقها في جميع تفاصيلها، وإنما المقصود الاستفادة من الدروس العامة المتعلقة بالابتلاء والثبات وتفاوت مواقف الناس عند الشدائد، ولا يعني الثبات تجاهل الخسائر أو التقليل من معاناة المدنيين، ولا يعفي أي قرار سياسي أو عسكري من التقييم والمراجعة، فالإيمان لا يتعارض مع التفكير في النتائج، ولا مع البحث عن الوسائل التي تحمي الناس وتقلل آلامهم.

السابع من أكتوبر والرواية الإعلامية:

ان ردود الفعل الدولية التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر، يرى أن إسرائيل استفادت من الصدمة الأولى ومن الروايات والصور التي انتشرت في وسائل الإعلام لحشد الدعم السياسي والعسكري لحربها على غزة، وبشأن مقتل إسرائيليين خلال الهجوم، يرى أن بعض القتلى ربما سقطوا نتيجة نيران إسرائيلية أثناء التعامل مع المهاجمين، غير أن هذه المسألة تحتاج إلى التمييز بين الوقائع التي أثبتتها التحقيقات والادعاءات التي تتطلب أدلة مستقلة، ولا يصح تعميم مسؤولية النيران الإسرائيلية على جميع القتلى.

والدرس الأساسي هنا أن الرواية الأولى لأي حدث كبير قد تؤثر بقوة في الرأي العام، وأن انتشار خبر ما لا يغني عن التحقق من صحته، وفحص الأدلة، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات السياسية والإعلامية، كذلك ما يُعرف بـ”مبدأ هنبعل” في النقاشات المتعلقة بالعقيدة العسكرية الإسرائيلية ومنع أسر الجنود، مشيرًا إلى احتمال تعريض حياة بعضهم للخطر لمنع وقوعهم في الأسر، لكن تحديد مدى تطبيق هذا المبدأ في حوادث بعينها يحتاج إلى دراسة الأدلة المتعلقة بكل حادثة، ولا يكفي التشابه في الفكرة لإثبات جميع التفاصيل.

المقارنة بين حرب تشرين والسابع من أكتوبر:

مقارنة بين حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 وعملية السابع من أكتوبر 2023، فان فهم الأحداث يقتضي النظر إلى أهدافها العسكرية والسياسية، لا إلى نتائجها الميدانية وحدها.

ففي حرب تشرين، عبر الجيش المصري قناة السويس، ونجح في تحطيم أجزاء من خط بارليف، محققًا إنجازًا عسكريًا مهمًا في الأيام الأولى، لكن الحرب تطورت لاحقًا إلى مسار سياسي وتفاوضي انتهى باتفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية، وصولًا إلى اتفاقية كامب ديفيد، اما أهداف السابع من أكتوبر، ارتبطت بقضية الأسرى وبقاء قضية الاحتلال والتحرير في صدارة المشهد، ولذلك يفسر اختلاف المواقف الإعلامية تجاه الحدثين من خلال اختلاف المسار السياسي الذي ارتبط بكل منهما.

الولايات المتحدة وإيران وموازين القوى:

ان مسار الصراع العربي الإسرائيلي بمصالح القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي تمتلك نفوذًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا واسعًا، تؤثر مواقفها في مسار المواجهة وفي قدرة الأطراف المختلفة على التحرك، وأن فهم الصراع لا ينبغي أن يقتصر على المواجهة المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين أو بين إسرائيل ولبنان، بل يجب أن يشمل الدعم الأمريكي لإسرائيل، ومواقف القوى الدولية، والحسابات الاستراتيجية التي تؤثر في المنطقة.

اما إيران فانها تؤدي دورًا مؤثرًا في موازين القوى الإقليمية، وأن الخلافات المذهبية قد تدفع بعض الناس إلى تجاهل مواقفها السياسية أو الحكم عليها بمعايير غير منصفة، خلافاً لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]، فالاختلاف المذهبي أو السياسي لا ينبغي أن يمنع الإنسان من الإنصاف، ويمكن للمرء أن يختلف مع إيران في قضايا عديدة، وأن ينتقد بعض سياساتها، لكنه يستطيع في الوقت نفسه تقييم مواقفها من خلال الوقائع والنتائج، لا من خلال الانتماء المذهبي وحده.

اليمن:

إن ما يحصل في اليمن ليس أمرًا بسيطًا، ولا ينبغي التعامل معه وكأنه مجرد نزاع داخلي عابر. فقد ظهرت مواقف وتصريحات إسرائيلية تتحدث عن التعاون مع السعودية في مواجهة اليمنيين، وتقدّمهم باعتبارهم عدوًا مشتركًا. وهذا يطرح أسئلة خطيرة حول طبيعة التحالفات القائمة في المنطقة، وحول الاتجاه الذي تسير فيه بعض السياسات العربية، ومن المؤسف أن يُصدّق بعض الناس الروايات الجاهزة، من دون أن يتوقفوا عند معاناة المدنيين الذين يُقتلون، أو يسألوا عن أسباب استمرار الحرب وأهدافها، ويرتبط جانب أساسي من الصراع في اليمن بموقف أنصار الله الرافض للانخراط في السياسات الأمريكية، وبالشعارات التي يرفعونها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وان ما يجري في اليمن ليس مجرد حرب أهلية بين أطراف يمنية، بل هو صراع إقليمي ودولي تتداخل فيه المصالح السعودية والأمريكية والإسرائيلية، إلى جانب الأطراف اليمنية المختلفة، وأن بعض القوى التي تُقدَّم باعتبارها قوى حكومية يمنية ترتبط بدعم خارجي، وأن وصف الحرب بأنها نزاع داخلي فحسب يتجاهل جوانب أساسية من حقيقتها، وان مصر وتركيا وباكستان لم تنخرط في هذه الحرب،.

الإعلام والرواية الإسرائيلية:

نعود مرة أخرى إلى مسألة الإعلام، ولا سيما من تأثير الرواية الإسرائيلية في جانب من الخطاب الإعلامي اللبناني، فقد شاع في بعض التغطيات الإعلامية القول إن المقاومة دمّرت جنوب لبنان، كما قيل إن المقاومة دمّرت غزة، بل أن المسؤولية المباشرة عن القصف والتدمير الواسع تقع على إسرائيل التي شنّت العمليات العسكرية واستهدفت مناطق سكنية ومنشآت ومدنيين.

ما علاقة المقاومة بحجم الدمار الذي أحدثته الغارات الإسرائيلية في البيوت والأحياء والمنشآت؟ ولماذا يُحمَّل الطرف الذي يتعرض للهجوم مسؤولية الدمار الناجم عن القصف، بدلًا من مساءلة الجهة التي نفّذته؟

ان تكرار هذا الخطاب من دون تمييز بين المسؤوليات قد يؤدي إلى تبنّي الرواية الإسرائيلية، أو إلى تبرير نتائج الحرب بالطريقة التي تريدها إسرائيل، هناك جزءًا من الإعلام اللبناني يتأثر بالتمويل والتوجيه السياسي، بدرجات متفاوتة، الأمر الذي يستدعي التدقيق في مصادر المعلومات وفي الجهات التي تؤثر في صياغة الخطاب الإعلامي… اما سردية المقاومة قد انتهت، أو إن المقاومة فقدت كل قدرتها على التأثير، فان تقييم مستقبلها وقدرتها على استعادة فاعليتها يحتاج إلى معرفة متخصصة بالواقع العسكري والسياسي، وأن إصدار أحكام نهائية في هذا الشأن قد يكون سابقًا لأوانه.

إن معاناة أهلنا في فلسطين ولبنان عظيمة، وما أصابهم من قتل وتهجير ودمار يستدعي الوقوف إلى جانبهم، والدعاء لهم، والعمل على رفع الظلم عنهم، لكن الألم، مهما اشتد، لا ينبغي أن يدفع الإنسان إلى اليأس أو إلى فقدان الأمل في رحمة الله وعدله.

رابط فيديو: خطبة الجمعة: 9-10-2026:

https://www.facebook.com/reel/1583894989513355

مقالات ذات صلة