موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة: بتاريخ 29 شوال 1447هـ الموافق له 17 نيسان 2026م : من زئير الاسد الى مواء القطط

بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 29 شوال 1447هـ الموافق له 17 نيسان 2026م

من زئير الاسد الى مواء القطط

في غزوة أُحُد، نالَ المسلمون جراحاً موجعة لم يسبق لها مثيل؛ استُشهد سبعون من خيرة الصحابة الكرام، في مقدّمتهم سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي ﷺ، وجُرح رسول الله ﷺ ، وشُجَّ رأسه الشريف، وكُسرت رباعيّته، ودخلت حلقة من المِغفَر في وجنته الكريمة، وحينها تطاول المشركون وظنّوا أنهم محوا عار بدر، قال لهم رسول الله ﷺ: “لسنا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار”، ثمّ جاء الردّ: الله أعلى وأجلّ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 166].

لكنّ المفاجأة الكبرى لم تكن في الجراح، بل فيما أعقبها، حين أُشيع أنّ المشركين سيعودون لاستئصال المسلمين، لم يتردّد الصحابة لحظةً واحدة رغم جراحاتهم النازفة، فانطلقوا جميعاً إلى حمراء الأسد جنوبيّ المدينة المنوّرة، وعسكروا هناك ثلاثة أيام كاملة، ينتظرون العدوّ بعزيمة لا تلين، فخلّد الله هذا الموقف للأبد: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ۝ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173-174].

الدرس الأُحُدي يتجلّى اليوم: من 27 أيلول إلى صمود المقاومة:

هذا الدرس الأُحُدي العظيم يتكرر أمام أعيننا اليوم بصورة لا تقبل التأويل، خوّفونا بـ27 أيلول يوم اغتيال السيّد، وبـ17 أيلول يوم البيجر الإجرامي، وبكلّ ما رافق تلك المرحلة القاسية، واستجابت المقاومة بصمت استراتيجي لا بضعف؛ لم تُطلق رصاصة واحدة خلال خمسة عشر شهراً كاملة، وتلقّت الاغتيالات اللئيمة دون ردّ فوري، وقالت: نحن خلف الدولة، حتى امتلأ الكأس وجاءت اللحظة التي أعادت فيها المقاومة الأمور إلى نصابها.

فكانت الأيام الخمسة والأربعون صموداً بطولياً لا مثيل له، وأهدافاً حقيقية ضُربت في عمق الكيان الصهيوني، وتغييراً جذرياً في المقاييس التي اخترعها أهل الأوهام، وشهد العدو نفسه على هزيمته؛ فصحيفة “معاريف” الإسرائيلية عنوَنت بعبارة لاذعة مفادها: “دخلنا جنوب لبنان بزئير الأسد وخرجنا بمواء القطط”، مضيفةً أنّ ما جرى لا يعدو أن يكون عودةً إلى هزيمة 2006، ضجيج وقوة وتدمير وقتل، ثم رضوخ لشروط المقاومة، والفضل ما شهدت به الأعداء.

إيران ونور الدين زنكي: وحدة الميدان فوق اختلاف المذاهب:

ثمّة من يريد أن يضع الخلاف المذهبي حاجزاً بين المسلمين في مواجهة العدوّ المشترك، وأنا أقول، وقد قلتها مئات المرات: ساحة الاختلاف الفقهي والعقدي يمكن تركها إلى لحظة مناسبة، أما في ساحة الجهاد ودعم فلسطين فلا مجال للتردد، وإيران لم تقُل يوماً إنها لا تدعم إلا من يتشيّع، ولو كان ذلك لما دعمت غزة دعماً يفوق أي دعم آخر.

والتاريخ يشهد على هذا المنهج؛ فنور الدين زنكي، القائد المسلم العظيم وأستاذ صلاح الدين الأيوبي، حين استنجد به الفاطميون في مصر [والفاطميون المقصودون هنا هم الدولة الفاطمية الإسماعيلية ذات المذهب المغاير] لم يتردّد لحظة؛ لأنّ الصليبي الفرنجي المحتل كان حاضراً على الأرض، فأرسل إليهم أسد الدين شيركوه الذي انتصر في المنصورة مرتين، ثم خلفه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي وهو في الثانية والثلاثين من عمره ليحقق ما حقق من انتصارات تاريخية، السبب كان سياسياً وطنياً لا مذهبياً، وهذه عين تاريخ أبطالنا الذين لم يقفوا يوماً عند الاختلاف المذهبي أمام العدو الصهيوني أو الصليبي.

أمّا إيران المحاصَرة، فقد ركّزت على الإنتاج الحربي واستغنت عن كثير مما كانت تستورد، وحين قيل: “ضربة سريعة وينتهي الأمر”، فإذا بالطرف الآخر يطلب وقف إطلاق النار، وتنزل أهدافه من تغيير النظام وضرب القوى النووية والتحكم في مضيق هرمز إلى القبول بوقف التخصيب خمس سنوات فحسب، فمن يطلب الوقف ومن يتفاوض على الشروط هو المهزوم بشهادة الوقائع لا بشهادة أصدقائه.

فضيحة أربعاء بيروت الاسود: حين يكون العميل أوقح من العدو:

يوم الأربعاء الثامن من نيسان 2026، شنّ الكيان الصهيوني عشرات الغارات على بيروت في أقل من نصف ساعة، ولم يثبت لعاقل أنّ ثمّة موقعاً للمقاومة أو مقاوما اختبأ بين الناس، أو أنّ سلاحاً قد خُبّئ هنالك، فإذا بنواف سلام يتبرّع من كيسه ليقول: “قُصفت مخازن أسلحة!” ويكرّرها بوقاحة في مجلس الوزراء على مسمع من الجميع، والصهيوني نفسه لم يجرؤ على قول ذلك، فجاء هذا المسؤول ليقدّم للعدو هديةً مجانية لا تُقدَّر، وحين سأله وزير الصحة الممثّل عن جهة سياسية بعينها في تلك الجلسة، أجاب بما مفاده: “ما في استهداف بدون هدف”، وبرر بذلك قصف سرايا النبطية واستشهاد 13 عنصرا من امن الدولة، ليبرّر جرائم العدو بأكثر مما يجرؤ العدو على تبريرها بنفسه، كيف يبقى مثل هذا رئيساً للحكومة؟ كيف يمثّل لبنان؟ يجب أن ينتهي هذا الدور.

كشف الأقنعة: من مفاوضات (كريات شمونة – خلدة) إلى التقرير الألماني:

وأمام هذا الواقع المرير، لا بدّ من كشف الأقنعة، فقد أخبرني أحد العسكريين اللبنانيين المتقاعدين ممّن كانوا في وفود نيويورك أن مسؤول مبنى إقامة رؤساء الوفود قرب الأمم المتحدة أفاده بأنّ مندوب لبنان نواف سلام آنذاك كان يجلس مع كلّ وفد إسرائيلي يصل، وجاء التقرير الألماني ليكشف أنّ رئيس الوفد الإسرائيلي في مفاوضات الناقورة عام 1983م، ديفيد كيمحي [الضابط الاستخباراتي الإسرائيلي المخضرم]، قد جنّد هذا المسؤول منذ ذلك الحين، وهو كان في الثلاثين من عمره، ولا أستبعد ذلك بعد كلّ ما سمعنا.

أيّها الأحرار، لقد نطق الميدان بما عجزت عنه الألسنة، وانكسر الصهيوني بشهادة صحفه قبل إعلامنا، وكما قال الله تعالى مخاطباً المؤمنين الأوائل حين خوّفهم المخوّفون:

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].

رابط فيديو: خطبة الجمعة: 17-4-2026:

https://www.facebook.com/reel/2223240318501660

مقالات ذات صلة