‏‏ اعرفوا الحقَّ تعرفوا أهله: القاعدة الذهبية في زمن الفتن

بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 7 ذو القعدة 1447هـ الموافق له 24 نيسان 2026م

‏‏ اعرفوا الحقَّ تعرفوا أهله: القاعدة الذهبية في زمن الفتن

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيّدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

قاعدةٍ جليلةٍ قالها أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالبٍ كرّم اللهُ وجهه، في خضمّ الفتن التي عصفت بصدر الإسلام بعد مقتل سيّدنا عثمان (35هـ / 656م)، وفي أعقاب وقعة الجمل (36هـ / 656م) وصفّين (37هـ / 657م) والنهروان (38هـ / 658م). حين سأله أحدُهم حائراً: كيف نقاتلُ جيشاً فيه صحابةٌ ورجالٌ من أهل الفضل؟ فأجابه بكلماتٍ خالداتٍ ينبغي أن تُنقش على جدران القلوب: “إنّ الحقَّ لا يُعرفُ بالرجال، اعرفِ الحقَّ تعرفْ أهله” [الأثر مشهورٌ وروي بصيغٍ متقاربة، أورده ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة].

هذه هي القاعدة التي ينبغي أن نحتكم إليها في كلّ زمانٍ ومكان: الميزانُ هو الحقُّ، لا الرجلُ كائناً من كان، إلا رسولَ الله ﷺ وحده. وحتى النبيُّ ﷺ! وهذا من عظمة هذا الدين، حين نزل صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر (17 رمضان 2هـ / 13 مارس 624م) في موضعٍ معيّن، تقدّم إليه الحُبابُ بنُ المنذر رضي الله عنه وسأله: “يا رسولَ الله، أهذا منزلٌ أنزلكه الله، أم هو الرأيُ والحربُ والمكيدة؟” فقال: “بل هو الرأيُ والحربُ والمكيدة”، فأشار الحُبابُ بالنزول عند أدنى ماءٍ من القوم، فأخذ النبيُّ ﷺ برأيه [السيرة النبوية لابن هشام].

يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط:

قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، وقال سبحانه في سورة المائدة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ﴾ [المائدة: 8].

والفرقُ بين الآيتين، والله أعلم، أنّ الأولى فيها استجابةٌ لدعوةٍ إلى الشهادة، والثانية فيها مبادرةٌ من المؤمن نفسِه لنصرة الحقّ، دُعي أم لم يُدعَ. فنحنُ أهلُ الحقّ، ولسنا أهل الرجال كائناً من كانوا.

الخوارج: درسٌ بليغٌ في انحراف أصحاب الحق:

وثمّة كلامٌ آخر لسيّدنا عليٍّ في شأن الخوارج، أولئك الذين لم يرضوا بالتحكيم بعد رفع المصاحف على أسنّة الرماح في صفّين. كانوا يقاتلون مع سيّدنا عليٍّ، وكان موقفُهم الأصليُّ صحيحاً، إذ إنّ القرآن واضحٌ في قوله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُوا۟ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنۢ بَغَتْ إِحْدَىٰهُمَا عَلَى ٱلْأُخْرَىٰ فَقَٰتِلُوا۟ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىٓءَ إِلَىٰٓ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾ [الحجرات: 9].

والفئةُ الباغيةُ هي جيشُ الشام بنصّ حديث النبيِّ ﷺ، حين قال صلى الله عليه وسلم وهو يبني المسجدَ النبويَّ قبل ما يقارب خمساً وثلاثين سنةً من وقوع الحدث، وعمّارُ بنُ ياسرٍ يحمل حجرين حجرين: “ويحَ عمّارٍ، تقتلُه الفئةُ الباغية” [أخرجه البخاري برقم 447 ومسلم برقم 2915]. وقد قُتل عمّارٌ رضي الله عنه وهو ابنُ نحو ثلاثٍ وتسعين سنة في صفّين سنة 37هـ، على يد جيش الشام.

الدرسُ من قصّة الخوارج أنّ الارتكاز على حقٍّ لا يوصل دائماً إلى حقّ، فقد ارتكزوا على موقفٍ صحيحٍ في ظاهره، لكنّهم انحرفوا حين ظنّوا أنّ موقفهم هو الحقّ المطلق، فخرجوا على عليّ، وقد قال فيهم النبيُّ ﷺ: “يمرقون من الدين كما يمرقُ السهمُ من الرميّة” [متفق عليه، البخاري 3610 ومسلم 1064].

موقفُنا من إيران والمقاومة: مع الحقّ لا مع الرجال:

من هنا، يتحدّد موقفُنا من إيران ومن المقاومة. نحنُ معهم لا لأنّ قائداً منهم جميلُ الشكل أو صاحبُ كاريزما أو يملكُ المال، بل لأنّهم في خندق الحقّ: مع فلسطين، وضدّ أمريكا وإجرامها، ومع الشعوب المستضعَفة. ومن كان ضدّ الإسلام فهو مع الباطل، وإن أصاب في بعض المواقف.

وأستذكرُ هنا قول أنور السادات حين ضحّى بمصداقيّته قبل حرب أكتوبر (6 أكتوبر 1973م / 10 رمضان 1393هـ)، فكان يُعلن كلَّ حينٍ أنّ هذا العامَ “عامُ الحسم”، حتى ملّه الناسُ وقال الإسرائيليون: “هذا كلامٌ للاستهلاك المحلّي”، ثمّ فاجأهم بالعبور، ونجح في الجزء الأول، وإن لم ينجح فيما بعد ذلك.

العروبةُ بين المعاني المتبدّلة:

ولا بدّ أن نتوقّف عند كلمة “العروبة” التي يتشدّق بها أهلُ لبنان اليوم حين يتحدّثون عن “الحضن العربي”، فالعروبةُ أخذت معانيَ متعدّدة عبر التاريخ:

بدأت مع ساطع الحصري [مفكّر قومي عربي سوري، 1880–1968م] وزكي الأرسوزي [1899–1968م، من مؤسّسي الفكر القومي العربي] في أوائل القرن العشرين، وكان هدفُها الأساسيُّ الانفصالَ عن الدولة العثمانيّة بعد هيمنة جمعية الاتحاد والترقّي التركيّة.

ثمّ عبّأها جمالُ عبد الناصر [1918–1970م] بمعاني العدالة الاجتماعيّة والوحدة العربيّة ومواجهة إسرائيل.

أمّا اليوم فقد تحوّلت العروبةُ إلى “مالٍ وبترولٍ” ودينٍ إبراهيميٍّ [مشروع تطبيعي ثقافي معاصر]، فلا يغرّنّكم حديثُهم عن الحضن العربي.

التحسّن في الموقف اللبناني: الأسباب الحقيقيّة:

ثمّة تحسّنٌ نسبيٌّ في الموقف الرسمي اللبناني، إذ رُفضت فكرةُ التفاوض المباشر مع العدوّ التي روّجت لها قنواتٌ صهيونيّة، ومُنعت المصافحةُ بين السفيرة اللبنانيّة والإسرائيليّة، وحُصر الحديثُ بالانسحاب وإعادة الإعمار وإعادة الأسرى.

وهذا التحسّن ليس من حُسن أخلاق الرئيسَين وحُسن فهمهما الذي أثبت شبهَ انعدامه، بل سببُه: صمودُ المقاومة وبأسها، حتى قال رئيسُ مستشفى رامبام في حيفا إنّ الإصابات تشبه إصابات جنودهم في عامي 96 و2006م، فضلاً عن خمسمئة إصابةٍ منذ وقف إطلاق النار في آذار/مارس، بل لعدة أسباب، منها.

  • انتصارُ إيران، أو صمودُها إن شئتم، في المواجهة، وفشلُ أكاذيب ترامب حول “تدمير النووي” الإيراني.
  • الموقفُ السعوديُّ الرافضُ للتنازلات المجّانيّة، وتلويحُه بتغيير الحكومة اللبنانيّة.

أياماً عظاماً يصدَّقُ فيها الكاذبُ ويُكذَّبُ فيها الصادق:

وقد أنبأنا رسولُ الله ﷺ بهذه الأيام حين قال: “إنّ بين يدي الساعة أيّاماً عظاماً، يُصدَّقُ فيها الكاذبُ ويُكذَّبُ فيها الصادق، ويُؤتمنُ فيها الخائنُ ويُخوَّنُ فيها الأمين” [أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجه برقم 4036]. وقوله ﷺ: “يُصبحُ الرجلُ مؤمناً ويُمسي كافراً، يبيعُ دينَه بعرَضٍ من الدنيا” [أخرجه مسلم برقم 118].

رابط فيديو: خطبة الجمعة: 24-4-2026:

https://www.facebook.com/reel/1347407683895665

مقالات ذات صلة