الحج يأبي التطبيع: من تلبية ثمامة إلى يقظة الشمري: بين سراب المفاوضات ودم المقاومة
بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 5 ذو الحجة 1447هـ الموافق له 22 ايار 2026م
الحج يأبي التطبيع، من تلبية ثمامة إلى يقظة الشمري، بين سراب المفاوضات ودم المقاومة
العَشْرُ المُبارَكاتُ وفضلُ يومِ عَرَفة:
نحن نعيشُ هذه الأيامَ المُبارَكاتِ التي جعل الله تعالى فيها من الخير ما لم يجعلْه في أيامٍ سواها، إنها أيامُ ذي الحجة، العشرُ الأُولى منه التي تسبقُ الحج، حيث أقسم الله تعالى بها حين قال جلَّ شأنُه: ﴿وَٱلْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (الفجر: 1-2)، وخصُّ النبي يومُ عرفة بقوله: “ما رُئيَ الشيطانُ يوماً هو فيه أصغرُ ولا أدحرُ ولا أحقرُ ولا أغيظُ منه في يوم عرفة” (رواه مالك في الموطأ، حديث رقم 947، مرسلاً). ففي هذا اليوم تتجلَّى رحمةُ الله ويُذلُّ الشيطانُ، لأن الحجاج يأتون من كلِّ فجٍّ عميقٍ ليؤدُّوا مناسكَ ربِّهم.
الحجُّ، الفريضةُ المشروطةُ بالاستطاعة:
الحجُّ هو النُّسُكُ الوحيد الذي ارتبط في النصِّ القرآني بشرط الاستطاعة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 97). فبقيةُ العبادات لا تسقطُ عن العاجز كاملاً؛ الصلاةُ لا تسقطُ حتى عن المشلولِ ولا عن فاقدِ الطَّهورين، والزكاةُ بطبيعتها معلَّقةٌ بملك النصاب، والصيامُ له بدلٌ بالكفَّارة، أما الحجُّ فقد علَّقه الشارعُ بثلاثة شروط: الصحَّة، والمال، والأمن، وقد ورد الوعيدِ على تركه لقولُه صلى الله عليه وسلم: “مَن مَلَكَ زاداً وراحلةً تُبَلِّغُه إلى بيت الله ولم يحجَّ، فلا عليه أن يموتَ يهوديًّا أو نصرانيًّا” (رواه الترمذي، حديث رقم 812، وقال: غريب). فمَن أعرض عن الحج رغبةً عنه وهو مستطيع، فكأنه ولج باباً من أبواب الكفر، نعوذ بالله من ذلك.
الحجُّ شعيرةٌ إبراهيميةٌ توحيدية خالصةُ:
والحجُّ موجودٌ منذ بدء التاريخ التوحيدي، فرضه إبراهيمُ عليه السلام بأمر ربِّه، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ (البقرة: 199)؛ فالإفاضةُ كانت قائمةً قبل الإسلام، وقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتلقَّى قوافلَ الحجِّ في موسمه ليعرضَ عليهم الإسلام، فمنهم من أسلم بل تحرَّكت دعوةُ الإسلام عبرَ هذه القوافل.
غير أن المشركين أدخلوا على الحجِّ بدعاً قبيحةً: التَّعرِّي في الطواف، والتَّصفير والتَّصفيق حول البيت، ونصبَ الأصنام في الكعبة. ومن العجيب أن تلبيتَهم كانت تُشبه تلبيتَنا في صدرها ثم يُضيفون إليها الشرك، فيقولون: “لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيك، لا شريكَ لك، إلا شريكاً هو لك، تملكُه وما ملك” (رواه مسلم، حديث رقم 1185)، فانظروا إلى تواضعهم الزائف، يعترفون أن الله مالكُ الشريكِ وما يملك، لكنهم يصرُّون على إثبات الواسطة الشركيَّة، تماماً كقولهم الذي حكاه القرآن: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ﴾ (الزمر: 3).
ثُمامةُ بن أُثال، أوَّلُ مَن أَسْمَعَ المشركينَ التَّلبيةَ الخالصة:
ومما يُروى في هذا الباب قصةُ الصحابيِّ الجليلِ ثُمامةَ بن أُثال، زعيمِ بني حنيفة، وهي القبيلةُ التي خرجَ منها لاحقاً مُسَيلِمةُ الكذَّاب، وكانت ديارُهم في شرق الجزيرة العربية فيما يُقاربُ منطقةَ الرياض اليوم. كان ثُمامةُ غنيًّا مُتَنفِّذاً يستطيعُ التَّحكُّمَ بأسواقِ القمح والتمر، وقد آذى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كثيراً. وفي إحدى السرايا قُبِضَ عليه دون أن يعرفه المقاتلون، فرُبِطَ بسارية مسجد رسول الله، فسألهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم: “أتدرون مَن أَخذتم؟ هذا ثُمامةُ بن أُثال” (رواه البخاري، حديث رقم 462، ومسلم، حديث رقم 1764). فأمر بإكرامه، وعَرَضَ عليه الإسلامَ ثلاثةَ أيام، ثم أطلق سراحه، فذهب إلى نخلٍ قريب، فاغتسل ولبس ثياباً أخرى، ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وعلَّل تأخُّرَه قائلاً إنه أراد ألا يُقال إنه أسلم مُكرَهاً.
ثم استأذن النبيَّ بالعمرة، وكان هذا قبل فتح مكة، فعلَّمه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الإحرامَ والتلبيةَ، فدخل مكةَ يصرخُ بأعلى صوته بالتلبية الموحِّدة الخالصة: “لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيك، لبَّيكَ لا شريكَ لك لبَّيك، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لك والملكَ، لا شريكَ لك”. فهاج المشركون وضربوه، فلما عَلِموا قدرتَه على إيذائهم اقتصاديًّا تركوه، فأقسم أن يمنعَ عنهم القمحَ والميرةَ، وبالفعل قضى أهلُ مكةَ فترةً من الجوع حتى توسَّطوا عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال له: “يا ثُمامةُ، أَطعِمْهم”.
الردُّ الفقهيُّ على شُبهةُ التَّوقُّفِ عن الحجِّ:
يسألُ بعضُهم اليوم: أَلَا يَسقُطُ الحجُّ عنَّا والسلطاتُ السعوديةُ تُسلِّمُ أموالنا وبياناتِنا للأمريكيِّ والصهيوني عبر الأساور الإلكترونية التي تُوضَعُ على معاصمنا في المطار، والتي تذهبُ معلوماتُها إلى شركةٍ أمريكيةٍ يهودية؟ وفضلاً عن ذلك، فإن بعض الخطباءَ يقولون كلاماً يُنافي الشرع.
أقولُ بوضوح: لا، لا يَسقُطُ الحجُّ بذلك. والدليلُ سيرةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم نفسِه؛ فقد مكث في مكةَ ثلاثَ عشرةَ سنةً يطوفُ ويصلِّي والأصنامُ في الكعبة. ولمَّا رأى في المنام أنه دخل البيتَ الحرام، خرج في السنة السادسة من الهجرة [الموافقة 628م] فمنعه المشركون، ثم أدَّى العمرةَ في السنة السابعة [629م] والأصنامُ لا تزالُ في الكعبة، ولم يحطِّمها إلا بعد فتح مكةَ في السنة الثامنة [630م]. فإذا كان النبيُّ يطوفُ والأصنامُ منصوبةٌ، فكيف نتركُ الحجَّ لأسوارٍ إلكترونيةٍ أو لكلام خطيبٍ منحرف؟
إشارةُ تَحوُّلٍ من داخلِ السعودية، صالحُ آل الشيخ:
ومع ما نقول دائماً من أن الانحدار العامَّ لم يخلُ من إشاراتِ تَحَسُّن، فقد سمعتُ محاضرةً لشيخٍ جليلٍ هو صالحُ آل الشيخ [وزير الشؤون الإسلامية السعودي الأسبق ومن كبار علماء المؤسسة الدينية الرسمية في المملكة]، يتحدَّثُ فيها عن الوعي ويقول: “مَن يظنُّ أن التطبيع مع إسرائيل هو نهايةُ مشاكلنا فهو واهم”. وهذا كلامٌ لم نألَفْه من علماء السعودية سابقاً، فلعلَّهم اكتشفوا أن هذه الحماسةَ للاستسلام للأمريكي والصهيوني لم تُؤْتِهم بشيء، بل ضحكنا على أنفسنا حين أهملنا تحذيراتِ القرآن والسنَّة من غدر اليهود.
لبنانُ بين سَرابِ المفاوضاتِ ودَمِ المقاومة:
وانظروا إلى ما يحصلُ في لبنان: ضجيجُ كلامٍ سياسيٍّ بأنه “لا مفاوضاتِ في واشنطن قبل وقف إطلاق النار والانسحاب وإعادة الإعمار والإفراج عن الأسرى”، فإذا بالوقت يمضي والاغتيالاتُ تتمدَّدُ إلى بعلبك والضاحية الجنوبية، وتطالُ المُسعفين والبيوتَ والآمنين والأطفال، ثم يأتي طلبٌ بإرسال وفدٍ عسكريٍّ لبناني يلتقي في البنتاغون [وزارة الدفاع الأمريكية] لإعطاء الأمر طابعاً غير سياسي، فتُسمَّى أسماءُ ضبَّاطٍ من كلِّ الطوائف، فتُبادرُ أمريكا بفرضِ عقوباتٍ على ضباطٍ ومسؤولين ونواب لبنانيين، كأنها تقولُ لهم جميعاً: لا أعترفُ بوجودكم، ولا يكفي ما تُقدِّمونه من تنازلات؛ المطلوبُ استسلامٌ كاملٌ للقرار الصهيوني.
أما رئيسُ الجمهورية في قصر بعبدا، فيعلنُ أن ترامب صار صديقَه، وأيُّ صداقةٍ هذه؟ مكالمةٌ هاتفية لدقيقتين، ولمَّا ذهب إلى واشنطن لم يُستقبَل، والآنَ يطلبُ موعداً فلا يُحدَّدُ له! هذا استخفافٌ بكلِّ شيء: بالمواقع، وبالشهداء، وبتاريخ المقاومة، وبانتصاراتها على الصهاينة في عامي 1982 و2006 وما بعدهما.
الانسحابُ آتٍ لا محالة، بضغطِ المقاومة لا بكَرَمِ المفاوضات:
وفي المقابل، الصحفُ الإسرائيلية والإعلامُ العبري مليءٌ اليومَ بالدعوةِ إلى الانسحاب من جنوب لبنان، لأن وجودهم هناك يُعرِّضُهم للموتِ اليومي بالقنصِ الفردي وإحراق الدبَّابات والناقلات، وقد صار جنودُهم يضعون شروطاً على قياداتهم، والانسحابُ يحتاجُ إلى آلية، وقد رأينا ذلك في عام 2000 حين سَبَقَ الانسحابَ ضغطٌ شعبيٌّ داخلَ إسرائيل، أبرزُه “حركة الأمهات الأربع” – وهي الحركة التي أسَّستها أمَّهاتُ جنودٍ قُتل أبناؤهم في مروحيةٍ في لبنان، وجمعت آلافَ التواقيع – فجاء إيهود باراك [زعيم حزب العمل الإسرائيلي] وفاز بانتخابات 1999 على وعد الانسحاب، فنفَّذه في 25 مايو/أيار 2000. فاليوم قد يقعُ الانسحابُ مرَّةً أخرى تحت ضغط المقاومة، إذا وُجِدَ خلافٌ بين الجيش والقيادة السياسية، لا تحت ضغط المفاوضات وعلاقات الصداقة الحميمة التي يَسكَرون بها من غير خمر.
الحَجُّ توحيدٌ والتوحيدُ استقامةٌ لا تَلتقي مع الانحراف:
أيها الإخوة، نحن في موسم الحج، والحجُّ دعوةٌ للتوحيد، والتوحيدُ يستوجبُ الاستقامة، قال تعالى: ﴿فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ﴾ (هود: 112)، وقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ (فصلت: 30)، فلا ينسجمُ التوحيدُ مع مخالفة أمر الله، ولا مع إهمال النصوص القاطعة التي تؤكِّدُ عداوةَ اليهود وتسردُ تاريخَهم وغدرَهم بالأنبياء وتحريفَهم للتوراة ونقضَهم للعهود. أنتم اليومَ بأوهامكم ووعودِ الأمريكيِّ والصهيوني وبعض العرب، تريدون أن تُغيِّروا التاريخ، بل تريدون أن تُغيِّروا القرآن! ﴿ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ﴾ (البقرة: 140). إنكم تضعون أنفسَكم في مواجهة ربِّ العالمين، لا في مواجهة الناس فقط، ومَن وَضَعَ نفسَه هذا الموضعَ لن ينجو من عذاب الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة، مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ﴾ (الأعراف: 152). وما عبادةُ العجل إلا انحرافٌ سببُه الذهبُ وحبُّ المال، وهو ما يدفعُ كثيراً من المُطبِّعين اليوم: إما المالُ، وإما السلطةُ الموهومة، وإما وعودٌ مجهولة. لقد فضَّلوا العجلَ على ما عند الله؛ فلن ينجوا في الدنيا، أما الآخرةُ فأمرُها أعظم.
عَوَّادُ الشَّمَري، الراعي العراقيُّ شهيدُ اليقظة:
إن عداوتنا اليومَ لإسرائيل ليست تحت عنوان الدين، بل تحت عنوان الاحتلال والظلم والفساد، فقد رأيتم ما فعلوا بالمتطوعين الابطال في أسطول الصمود الذي اعترضته البحرية الإسرائيلية، وما يفعلون بالأسرى وبقرارات الإعدام، وأنهم لا يريدون لأحدٍ أن يفضحَهم. ومن أبرز قصص الفضحِ في الأيام الأخيرة قصةُ عَوَّاد الشَّمَري – راعي الأغنام العراقي البالغ من العمر 29 عاماً، الذي اكتشف في 3 مارس/آذار 2026 أثناء تنقُّله في صحراء النخيب غربي العراق قاعدةً عسكريةً إسرائيليةً سرية تضمُّ جنوداً ومروحيات ومهبط طائرات، أُديرت بشكلٍ متقطِّع لأكثر من عامٍ وفقاً لما نقلته صحيفةُ نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال – فأبلغ السلطاتِ ثم لاحقوه فقتلوه. هذا الراعي يستحقُّ أن يُخلَّد، لأنه أدَّى واجبَه الوطنيَّ بمحض إرادته.
ويذكِّرُني هذا بقصة إيلي كوهين، الجاسوس الإسرائيلي الذي عمل في دمشق منذ عام 1961 متستِّراً باسم “كامل أمين ثابت” مهاجراً سوريًّا من الأرجنتين، فبنى علاقاتٍ واسعةً مع كبار المسؤولين، حتى اكتشف أحدُ جيرانه في بناية سكنه إشاراتِ مورس فاعتُقل في كانون الثاني 1965 وأُعدم شنقاً في ساحة المرجة بدمشق في 18 أيار، فمراقبةٌ بسيطةٌ من مواطنٍ يقظ كشفت قصةً كبرى، وما زلنا في هذا الاتجاه.
مواقفُ النَّبَلاء في الغَرب، دَرسٌ للمستعجِلين بالتطبيع:
انظروا مواقف لاعبين أوروبيين متعدِّدين رفعوا أعلام فلسطين خلال المباريات، وتعرَّضوا لاحتجاجات إسرائيلية، وانظروا إلى المتضامنين في لندن وباريس وجامعات أمريكا كـكولومبيا، فاستفيدوا من هؤلاء عوضاً عن هذا الاستعجال الذي لن يُوصلَكم إلى أيِّ مكان.
نسأل الله القبولَ، إنه نِعمَ المولى ونِعمَ النصير.
رابط فيديو: خطبة الجمعة: 22-5-2026:
https://www.facebook.com/reel/1695880691602468




