أيام التشريق بين فقه المناسك وثبات العقيدة
بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 12 ذو الحجة 1447هـ الموافق له 29 ايار 2026م
أيام التشريق بين فقه المناسك وثبات العقيدة
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحشر: 18].
فضل أيام التشريق وذكر الله فيها:
نعيش هذه الأيام المباركة التي أشار إليها الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [سورة البقرة: 203]، والمقصود بالأيام المعدودات: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق التي تليه، وهي أيام جعلها الله مواسم للذكر والشكر والعبادة، وقد قال رسول الله ﷺ: “أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل”.
ومن مظاهر ذكر الله في هذه الأيام التكبير عقب الصلوات، والإكثار من التهليل والتسبيح والتحميد، وذكر الله عند ذبح الأضاحي، فذكر الله لا يقتصر على صورة واحدة، بل يشمل كل ما يقرب العبد من ربه، ولهذا حرم الشرع صيام أيام التشريق، كما يحرم صيام يوم عيد الفطر، لأن هذه الأيام أيام فرح وشكر لله تعالى على نعمه.
مناسك الحج وتطور وسائل التنظيم:
من أبرز أعمال الحجاج في هذه الأيام رمي الجمرات، وهو من أكثر المناسك ازدحاماً بسبب اجتماع أعداد هائلة من المسلمين في مكان وزمان محددين.
وقد شهدت العقود الماضية حوادث مؤلمة بسبب الزحام وسوء التنظيم أحياناً، إلا أن التوسعات الكبيرة التي أُنجزت في منطقة الجمرات ساهمت في استيعاب أعداد ضخمة من الحجاج وخففت من احتمالات وقوع الكوارث.
كما أن تنظيم حركة الدخول والخروج، وتخصيص مسارات مستقلة لكل اتجاه، كان من الخطوات المهمة التي ساعدت على تحقيق قدر أكبر من السلامة.
وهنا تظهر أهمية الاجتهاد الفقهي الذي يراعي تغير الأحوال وتطور الوسائل بما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ النفس وتيسير العبادة.
الأضاحي وفقه المصلحة:
من المسائل التي تأخر فيها الاجتهاد زمناً طويلاً قضية الاستفادة من لحوم الأضاحي الزائدة، ففي السابق كانت كميات كبيرة من الأضاحي تُهدر بسبب عدم وجود وسائل الحفظ والنقل المناسبة، في حين كان ملايين الفقراء في أنحاء العالم الإسلامي بحاجة إلى هذه اللحوم، ومع تطور وسائل التبريد والتعليب والنقل أصبح من الممكن إيصال هذه الأضاحي إلى المحتاجين في مختلف البلدان، وهو ما يحقق المقصود الشرعي من الأضحية ويمنع ضياع النعمة وإهدار المال.
سبب تسمية أيام التشريق:
سميت أيام التشريق بهذا الاسم لأن العرب كانوا يشرّقون اللحم، أي يقطعونه شرائح رقيقة ويجففونه تحت أشعة الشمس لحفظه مدة طويلة، وكان هذا الأسلوب وسيلة معروفة لحفظ اللحوم قبل ظهور الثلاجات ووسائل التخزين الحديثة، ومن هنا جاء ما ورد في الحديث الشريف حين قال الرسول ﷺ لمن ارتعد هيبةً منه: “هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة”، والقديد هو اللحم المجفف الذي كان طعاماً شائعاً بين الناس.
ضرورة ارتباط الفتوى بواقع الناس:
إن الشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح العباد، ولذلك فإن الفقيه الواعي هو الذي يدرك مقاصد الأحكام ويستوعب تغير الظروف والأحوال، والتاريخ الفقهي مليء بأمثلة اجتهادات احتاجت إلى مراجعة مع تغير الواقع، سواء في تنظيم الحج أو في توزيع الأضاحي أو في غير ذلك من شؤون المسلمين، فالحكمة تقتضي الجمع بين النصوص الشرعية والمقاصد العامة ومصالح الناس المعتبرة.
موقف القرآن من دعوى الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام:
ان ما يسمى بـ”الديانة الإبراهيمية” أو محاولات تقديم سيدنا إبراهيم عليه السلام بوصفه مرجعاً دينياً مشتركاً يلغي الفوارق العقدية بين الأديان، وقد حسم القرآن الكريم هذه القضية بوضوح تام، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة آل عمران: 67]، وقال سبحانه ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: 68]، وقال تعالى:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة آل عمران: 65].
فالقرآن يقرر أن إبراهيم عليه السلام كان موحداً مسلماً لله، وأن الانتساب الحقيقي إليه يكون باتباع التوحيد الذي دعا إليه.
الصراع على العقيدة قبل الأرض:
ان الصراع القائم ليس صراعاً سياسياً أو عسكرياً فحسب، بل يحمل بعداً عقدياً وفكرياً، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة: 217]، وأن المؤمن يجب أن يثق بأن الأمر كله لله سبحانه وتعالى، وأن النصر والهزيمة بيده وحده، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [سورة الروم: 4].
التحذير من الارتهان للقوى الأجنبية:
اما ما نُسب إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر من أن عداوة الولايات المتحدة خطر، أما صداقتها فقد تكون أكثر خطرًا على أصحابها، واتخذ من ذلك مدخلًا للتحذير من الإفراط في الاعتماد على السياسات الأمريكية أو الارتهان لها، وان التاريخ الحديث يقدم أمثلة كثيرة على تخلي الدول الكبرى عن حلفائها عندما تتغير المصالح، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ۚ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة آل عمران: 118].
فعلينا أن نتمسك بديننا، وأن نحسن قراءة واقعنا، وأن نستفيد من تجارب الأمم من حولنا، وأن نوقن أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
رابط فيديو: خطبة الجمعة: 29-5-2026:
https://www.facebook.com/reel/1583880963088058




