(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ … (54)) (الزخرف)
بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 10 صفر 1447هـ الموافق له 24 تموز 2026م
(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ … (54)) (الزخرف)
وصف لنا رب العالمين في القرآن الكريم، فرعون كأكبر مثل من أمثال الطغاة في التاريخ، كيف يحكم قومه ويكذب عليهم ويتعالى وينشر الاباطيل، ولكنهم يصدقونه، علم أنهم ضعاف العقول خفاف النفوس، فانطلت احابليه عليهم: (وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)) (الزخرف)، (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)) (الزخرف).
زيارة عون إلى واشنطن مثل صارخ عن هذا الموقف، انسحاب من قرى غير محتلة، ضجيج حول هذا “الانسحاب الكاذب”، خط جوي مباشر، ووعود في الهواء، مقابل أن يعلن عون بكل وقاحة: الهدف إنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، وأن المقاومة عدو يشترك في عدوانه الأميركي واللبناني والصهيوني، ثمن باهظ لعطايا سخيفة باردة لا قيمة لها.
نسأله: من أعطاك هذا الحق وأنت رئيس الصدفة؟ أتت بك المعادلة الدولية وفُرضت على اللبنانيين، من أعطاك هذا الحق؟ وهل أصبح النظام في لبنان رئاسيا يقرر الرئيس ما يشاء ويطأطيء الآخرون الروؤس.
لن تدوم هذه الحالة، ولن يبقى الصهيوني – الأمريكي مسيطر على قرارنا ينهب ثرواتنا ويلغي ثقافتنا وانتماءنا…، كأنهم يرون أن هذه اللحظة الاستثنائية في التاريخ سترسم مصائر الشعوب، هذا لا يمكن أن يكون.
وليس بعيداً عن زيارة الرئيس اللبناني الى البيت الابيض، تلك المسرحية الهزلية التي قام بها نواف سلام، حيث زرع العلم على الركام في ارض لم يصلها اليهودي اصلاً… سياق الآيات في القرآن الكريم يؤكد ان مسؤولية الفساد لا تقع على الزعماء والقادة فقط، بل يشارك فيها الناس الذين يكثر فيهم الفساد ويسيرون خلف القادة بغير وعي وبغير مسؤولية.
ــــــــــــــــــــــــــ
وجاء في الخطبة ما يلي:
مسؤولية القادة والأتباع في ميزان القرآن:
إن قضية المستكبرين والمستضعفين، والقادة والأتباع، من أكثر القضايا التي تناولها القرآن الكريم؛ لأنها قضية تتكرر في كل زمان ومكان، ولأنها تمس حياة الناس ومواقفهم ومصائرهم، ولو أردنا أن نوجز موقف القرآن في هذه المسألة لقلنا: إن الله سبحانه وتعالى وزّع المسؤولية بين الطرفين، فلم يعفِ القادة من مسؤوليتهم، ولم يعفِ الشعوب من مسؤوليتها، قال تعالى حاكياً عن أتباع الضلال يوم القيامة: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (الأحزاب: 67-68)، فالناس يوم القيامة يعترفون بأنهم اتبعوا قادتهم، وأنهم كانوا سبباً في ضلالهم، فيدعون عليهم بمضاعفة العذاب، ولكن القرآن لا يكتفي بنقل هذا الاحتجاج، بل يبين الجواب الإلهي في موضع آخر، حتى لا يتوهم أحد أن مجرد اتباعه للباطل يعفيه من المسؤولية، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 38)، فالأتباع يلقون باللوم على القادة، ويطالبون بمضاعفة عقوبتهم، ولكن الله تعالى يحكم بالعدل، فيقرر أن الجميع مستحق للعقوبة؛ لأن كلاًّ منهم شارك في صناعة الباطل، وإن اختلفت درجته في المسؤولية.
ثم يأتي جواب القادة لأتباعهم ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 39)، فلا أحد يستطيع أن يتذرع بأنه كان مجرد تابع، أو أنه كان مأموراً لا مخيراً؛ لأن الله تعالى منح الإنسان عقلاً وإرادة، وأقام عليه الحجة.
التبرؤ يوم القيامة لا ينفع:
ويصور القرآن مشهداً آخر من مشاهد الآخرة، حيث يتبرأ القادة من أتباعهم، ويتبرأ الأتباع من قادتهم، بعد أن تنقطع بينهم جميع أسباب المصالح والمنافع، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (البقرة: 166-167)، ولذلك أكد الله سبحانه أن هذا الجدال واقع لا محالة، فقال: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ (ص: 64)، إنها خصومة لا تغير من الواقع شيئاً، ولا تدفع عن أحد عذاب الله، لأن الجميع مسؤول أمام الله عن اختياراته ومواقفه.
تحمل المسؤولية من صفات المؤمنين:
إن المؤمن الحق لا يبحث عن الأعذار ليبرر أخطاءه، وإنما يبدأ بمحاسبة نفسه، فإذا أخطأ اعترف بخطئه، وسعى إلى إصلاحه، ولم يلقِ بالتبعة على الآخرين.
أما النفوس الضعيفة فإنها تلقي دائماً باللوم على المجتمع، أو على الظروف، أو على القادة، أو على البيئة، وكأن الإنسان مسلوب الإرادة، لا يملك قدرة على الاختيار.
والإسلام يرفض هذا المنهج رفضاً قاطعاً؛ لأنه يجعل الإنسان مسؤولاً عن عمله، ويؤكد أن لكل إنسان قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وعلى اتخاذ الموقف الذي يرضي الله تعالى، وإن اشتدت الضغوط، وكثرت الفتن، وعظم نفوذ أهل الباطل.
سبب الضعف كما شخصه النبي ﷺ:
لقد شخص رسول الله ﷺ هذا الداء منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، فقال: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها”، قيل: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله المهابة من صدور عدوكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن”، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: “حب الدنيا وكراهية الموت”. فهذا الحديث يبين أن المشكلة ليست في قلة العدد، وإنما في ضعف الإرادة، والتعلق بالدنيا، والخوف من التضحية في سبيل الله.
ولهذا فإن أول طريق النصر يبدأ بإصلاح النفوس، وتجديد الإيمان، واستعادة الثقة بالله، واليقين بوعده، حتى يصبح المسلم مستعداً لبذل نفسه وماله في سبيل الحق، غير هياب ولا متردد.
وقد قرر القرآن الكريم هذه السنة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، فإذا صلحت القلوب، واستقامت النفوس، وصدق الناس مع الله، تغير واقع الأمة، وتبدلت أحوالها، ونالت من تأييد الله وعونه بقدر ما تبذله من إيمان وصبر وثبات.
رابط فيديو: خطبة الجمعة: 24-7-2026:
https://www.facebook.com/reel/1068699882411162



