رسول الله ﷺ: الرحمة المهداة والعتاب القرآني
بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 15 ربيع الاول 1448هـ الموافق له 28 اب 2026م
رسول الله ﷺ: الرحمة المهداة والعتاب القرآني
العتاب القرآني للنبي ﷺ:
إذا كان رسول الله ﷺ بهذه الرحمة والعظمة، فلماذا ورد في القرآن عتاب له في بعض المواقف؟ والجواب أن هذا العتاب نفسه يحمل دلالات عظيمة، ولا يمكن فهمه على أنه إدانة للنبي ﷺ، بل هو من وجوه التكريم له، ومن الأدلة على صدق الوحي ونزاهته.
ففي مطلع سورة عبس يقول تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ (عبس: 1-4)، وكان النبي ﷺ في بداية الدعوة يحرص على هداية كبار القوم؛ لأنه كان يرجو أن يؤدي إيمانهم إلى انتشار الإسلام وهداية غيرهم. فجاء القرآن ليصحح له هذا الاجتهاد، ويقرر أن قيمة الإنسان ليست في غناه أو مكانته، وإنما في استعداده للإيمان والحق.، وفي موضع آخر جاء العتاب في قضية الأسرى بعد بدر، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (الأنفال: 67).
والقرآن يبين في مواضع أخرى أن النبي ﷺ لا يستطيع أن يُكره الناس على الإيمان، وأن الهداية بيد الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: 56)، فالمعجزات وحدها لا تجعل الإنسان مؤمنًا إذا كان قلبه مستكبرًا معاندًا؛ وقد رأينا في تاريخ الأمم أن أقوامًا شاهدوا الآيات البينات ثم استمروا في التكذيب.
العتاب دليل على صدق الوحي:
من أعظم الدلالات التي ينبغي أن نتأملها أن القرآن لم يقتصر على مدح رسول الله ﷺ، بل ذكر أيضًا بعض المواقف التي جاء فيها التصحيح والعتاب، وهذا من أقوى ما يدل على أن القرآن وحي من الله؛ فلو كان النبي ﷺ هو الذي ألّف القرآن، فهل كان سيضع فيه آيات تعاتبه وتقول له: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، وتقول: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ (الإسراء: 74-75])؟ ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (الحاقة: 44-46)، إن هذه الآيات لا تنتقص من مقام النبي ﷺ، بل تؤكد أن القرآن كلام الله، وأن الرسول ﷺ عبدٌ رسولٌ يبلغ عن ربه ولا يتصرف في الوحي من عند نفسه.
بشرية الرسول ﷺ وعظمته:
وهنا ينبغي أن نفرق بين أمرين: بشرية رسول الله ﷺ من جهة، وفضله ومقامه من جهة أخرى. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ (الكهف: 110)، فهو بشر، يأكل ويشرب ويتعب، ولكنه بشر اصطفاه الله بالوحي، وكرمه بالرسالة، وزينه بأعظم الأخلاق، وجعله رحمة للعالمين، وفي بعض الوقائع كان النبي ﷺ يجتهد في أمر من أمور الحرب أو التدبير، فإذا جاء الوحي التزم به، وإذا كان الأمر مجالًا للرأي والمشورة أخذ برأي أصحابه، ومن أشهر ذلك ما وقع في بدر حين استشار الصحابة في اختيار موقع النزول، فأشار الحباب بن المنذر رضي الله عنه بموقع آخر، فأخذ النبي ﷺ برأيه؛ لأن الأمر كان من أمور الحرب والتدبير وليس وحيًا منزلًا، وهذا يعلمنا أن عظمة النبي ﷺ لا تعني نفي بشريته، بل إن كماله يظهر في كونه بشرًا اصطفاه الله بالوحي والرسالة والأخلاق والرحمة.
محبة رسول الله ﷺ وحلاوة الإيمان:
قال رسول الله ﷺ: “ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد بهن حلاوةَ الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار”، فمحبة النبي ﷺ ليست مجرد عاطفة أو كلمات، وإنما هي محبة تظهر في الاتباع والطاعة والاقتداء بأخلاقه ورحمته وعدله وتواضعه، قد تكون الطاعة في بعض الأحيان ثقيلة على النفس؛ لأن الإنسان يتخلى عن شهوة أو أنانية أو مصلحة شخصية، ولكن إذا استقر الإيمان في القلب أصبح مصدرًا للسعادة والطمأنينة، ووجد المؤمن حلاوة الإيمان.
فلنزداد حبًا لرسول الله ﷺ، ولنعرفه كما وصفه القرآن: عبدًا رسولًا، ونبيًا رحيمًا، وصاحب خُلُق عظيم، ورحمة مهداة للعالمين، إن من القضايا التي ينبغي أن تُفهم بصورة متوازنة قضية بشرية رسول الله ﷺ؛ فقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة بوضوح، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ (الكهف: 110)، فالنبي ﷺ بشر، ولكنه بشر اصطفاه الله بالوحي، وفضّله بالرسالة، وزيّنه بأعظم الأخلاق، وجعله رحمة للعالمين، ومن هنا تأتي المسألة الخلافية المتعلقة بما ورد في بعض الروايات من أن النبي ﷺ سُحر، وأن أثر السحر استمر عليه مدة، حتى نزلت عليه المعوذتان، وقد استنكر فريق من المسلمين هذا الأمر، وقالوا: كيف يمكن أن يقع السحر على نبي؟ والجواب أن بشرية النبي ﷺ ثابتة بنص القرآن، وأن تعرضه لبعض الأعراض البشرية لا يناقض مقام النبوة، ما دام ذلك لا يمسّ الوحي ولا يؤثر في تبليغ الرسالة. وقد جاءت المعوذتان في القرآن لتكونا حصنًا للمؤمنين من الشرور والآفات.
أربع أفكار يجري الترويج لها:
في هذه المرحلة، تُطرح مجموعة من الأفكار التي ينبغي التعامل معها بوعي ونقد:
الفكرة الأولى: تحميل المقاومة وحدها مسؤولية الدمار، وكأن العدوان الإسرائيلي لم يكن هو العامل الأساسي في تدمير البيوت والمناطق، والحقيقة أن الاحتلال الإسرائيلي مارس سياسة تدمير واسعة، ليس فقط ضد مواقع المقاومة، وإنما طالت أحياء ومنازل ومدنيين، وهذا ما شهدناه في لبنان وغزة.
الفكرة الثانية: القول إن تسليم السلاح وحده سيؤدي تلقائيًا إلى السلام والأمن والازدهار.
وهذا طرح يحتاج إلى سؤال بسيط: هل مجرد التخلي عن السلاح يضمن أن الطرف الآخر سيتوقف عن الاعتداء، وأن الأمن والاستقرار سيصبحان مضمونين، التجارب التي شهدتها المنطقة تجعل هذا السؤال مشروعًا، ولا تسمح بالتعامل مع هذه المعادلة وكأنها حقيقة بديهية لا تحتاج إلى إثبات.
الفكرة الثالثة: محاولة تقديم الانتماء اللبناني على أنه انغلاق كامل على لبنان، بحيث يُقال: ما علاقة لبنان بغزة؟ ولماذا حرب الإسناد؟ ولماذا ينبغي للبناني أن يهتم بما يجري خارج حدوده؟، والجواب أن الانتماء اللبناني لا يعني إلغاء الشعور الإنساني أو العربي، ولا يعني أن يتحول الإنسان إلى كائن منفصل عن قضايا أمته ومحيطه، إن لبنان جزء من هذه المنطقة، وما يجري حوله ينعكس عليه سياسيًا وأمنيًا وإنسانيًا.
الفكرة الرابعة: تصوير المقاومة على أنها مجرد أداة بيد الخارج، وأن قرارها ليس نابعًا من قناعاتها وإنما من أوامر تأتيها من دولة أخرى، وهنا ينبغي التفريق بين العلاقة السياسية والتنسيق والتحالف وبين مفهوم التبعية المطلقة، فوجود علاقة وثيقة بين المقاومة وإيران لا يعني بالضرورة أن العلاقة هي علاقة “آمر ومأمور”، بل يمكن أن تكون علاقة تنسيق وتحالف وتقاطع في الرؤية والموقف السياسي، مع بقاء لكل طرف حساباته ومصالحه وقراراته.
في زمن الدعاية: نحتاج إلى التثبت:
نحن نعيش زمنًا كثرت فيه الروايات المتناقضة، وأصبحت المعلومة نفسها جزءًا من المعركة، تُقال تصريحات عن السلاح، وعن الممرات، وعن المضائق، وعن أهداف الحروب، وعن مصالح الشعوب، ثم تظهر روايات متناقضة في اليوم التالي، ولهذا فإن واجب المؤمن أن يتثبت، وألا يصدق كل ما يسمع، ولا أن يجعل الدعاية السياسية مصدرًا وحيدًا للحقيقة.
قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)، فالتثبت ليس موقفًا سياسيًا فحسب، وإنما هو خلق قرآني.
إن الدرس الذي يجمع بين الحديث عن رسول الله ﷺ والحديث عن واقعنا اليوم هو أن البشرية لا تعني النقص، ووقوع الخطأ لا يعني سقوط الإنسان أو المشروع كله، رسول الله ﷺ بشر، لكنه رسول الله، اصطفاه بالوحي وكرمه بالأخلاق والرحمة، والصحابة بشر، ومع ذلك أثنى الله عليهم وذكر إيمانهم وجهادهم، ولم يمنع ذلك من وقو، بعضهم في الخطأ، وكذلك كل عمل بشري في زماننا؛ يمكن أن يصيب ويخطئ، ويمكن أن يحتاج إلى مراجعة وتصحيح، لكن الحكم عليه يجب أن يكون بالعدل والإنصاف، لا بالافتراء والتضخيم والتزوير.
المطلوب اليوم ليس أن نبحث عن بشر لا يخطئون، فهذا غير موجود، وإنما أن نبحث عن الحق، وأن نثبت عليه، وأن نصحح أخطاءنا، وأن نميز بين النقد الصادق والدعاية المضللة.
رابط فيديو: خطبة الجمعة: 28-8-2026:
https://www.facebook.com/reel/1928864038518677




