بين اهل الكهف وأخصام المقاومة

بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 17 صفر 1447هـ الموافق له 31 تموز 2026م

بين اهل الكهف وأخصام المقاومة

‏ ‏انه لمن اللافت في “معجزة” اهل الكهف ان الله لم يمد في أعمارهم بعد ان اكتشف الناس قصتهم، لقد كانت معجزة كبيرة، أو كانت إعجازا كبيرا: جعلهم الله يعيشون أكثر من ثلاثمائة عام دون طعام أو شراب، يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، وينالون قسطا بسيطا من الشمس صباحا ومساء، (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ۗ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا (17)) (الكهف).

ومما لا يذكر كثيرا إن الله “عطل” مفاعيل الزمن في حقهم، فمن الواضح أن شعورهم لم تطل وكذلك أظافرهم، فلو كان الأمر كذلك لانكر بعضا عندما استيقظا وابدوااستغرابا، لماذا لم يدعهم الله على قيد الحياة، فيزداد الناس فرحا بهم وسرورا ويزداد ايمانهم؟ الجواب موجود في قوله تعالى من أول سورة الشعراء (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4)).

‏أي أن سنة الله في عباده ألا تكون المعجزات واضحة تخضع لها العقول والنفوس، ليبقى هنالك دور للنفس البشرية لتقرر الإيمان أو تفّر منهم تبعا ‏لصفاتهم الشخصية، وهل يمنعهم كبرياؤهم أو الشهوات أو الانتماء الاجتماعي من الإيمان … الخ.

‏مع الفارق بالقياس، أن المقاومة لا تحتاج إلى أكثر ما قدمت حتى تقنع الناس بأهميتها وبانها الخيار الأفضل، يكفي تحرير 2000، وانتصار 2006، ولا يلغي ما قدمته ما حصل في السنوات الأخيرة ليجعل الأقزام يتطاولون عليها ويزعم أن صفحة المقاومة قد طويت.

ـــــــــــــــــــــــ

‏الصحناوي يحكمنا:

‏عندما ظهر انطوان الصحناوي في عشاء تكريم الصهيوني الحاقد (ليندسي غراهام) مع مجرم الحرب نتنياهو، كان هذا رأس جبل الجليد، فدور الصحناوي الإجرامي في سياق الأحداث في لبنان اكبر بكثير من مجرد عشاء على مائدة المجرمين، ان دوره في الازمة المالية اللبنانية عام 2019 لا يخفى على مراقب، لقد اخرج اكبر كمية من المال من لبنان، ونصح آخرين باخراج اموالهم، مما يؤكد الدور الاميركي – الصهيوني في الازمة المالية التي عصفت بنا ولا تزال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قراءة في نشأة دولة لبنان الكبير:

عندما يُستعرض تاريخ نشأة لبنان الحديث، ينبغي أن يكون الحديث قائماً على الوقائع التاريخية الكاملة، لا على اجتزاء بعضها وإغفال بعضها الآخر، ومن الجوانب التي تستحق التقدير في سيرة البطريرك الياس الحويك أنه، إبان المجاعة الكبرى التي اجتاحت لبنان وبلاد الشام خلال الحرب العالمية الأولى عام 1914، فتح مخازن الأديرة والكنائس لإغاثة الجائعين، كما وجَّه نداءات شديدة إلى الأغنياء من أبناء الطائفة المسيحية يحثهم فيها على إغاثة الفقراء الذين كانوا يموتون جوعاً. وهذه صفحة مشرقة لا يجوز إنكارها أو تجاهلها، فقد شهدت تلك السنوات بالفعل مجاعةً قاسية أودت بحياة أعداد كبيرة من الناس، وقد نقل إلينا من عاصروا تلك المرحلة أنهم رأوا الناس يسقطون في شوارع بيروت من شدة الجوع.

أما في الجانب السياسي، فكثيراً ما يُقال إن البطريرك الحويك هو صاحب فكرة «لبنان الكبير». ولا شك أنه كان يؤمن بضرورة قيام دولة أوسع من متصرفية جبل لبنان، ورأى أن حدود المتصرفية لم تعد كافية لبناء دولة قابلة للحياة، وأن ضمَّ البقاع والجنوب والشمال والساحل يحقق مقومات الدولة الجديدة، رغم وجود أكثرية مسلمة في عدد من تلك المناطق.

غير أن الصورة التاريخية لا تكتمل إلا بذكر موقف المسلمين آنذاك. فقد كان كثير منهم قد خرج لتوه من ظل الدولة العثمانية، وكان الأمل معقوداً على قيام دولة عربية كبرى تجمع العرب، بعد الوعود التي قدمتها بريطانيا للشريف حسين أثناء الحرب العالمية الأولى، لكن تلك الوعود لم تُنفَّذ، إذ انقلبت بريطانيا وفرنسا عليها من خلال اتفاقية سايكس – بيكو، فقُسمت المنطقة، وسقط مشروع الدولة العربية الواحدة، وقبل إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول سنة 1920، دخلت القوات الفرنسية دمشق بقيادة الجنرال غورو، بعد معركة ميسلون التي استشهد فيها وزير الحربية السوري يوسف العظمة مع عدد من ضباطه وجنوده، دفاعاً عن استقلال سوريا ورفضاً للاستسلام.

ومن هنا فإن قيام دولة لبنان الكبير لم يكن نتيجة رغبة محلية فحسب، بل جاء أيضاً في إطار قرار دولي فرضته القوى المنتصرة بعد الحرب العالمية الأولى. وقد عبَّر الجنرال غورو عن ذلك صراحةً في احتفال إعلان الدولة من قصر الصنوبر في بيروت، حين أعلن قيام لبنان الكبير، ثم التفت إلى البطريرك الحويك قائلاً: “وفق رغبتكم، صاحب النيافة”.

ومن هنا يمكن فهم موقف المسلمين في ذلك الوقت؛ فقد كانوا يتطلعون إلى كيان عربي أوسع، بينما جاءت القرارات الدولية في اتجاه مختلف. وهذه الحقيقة تؤكد أن رسم الحدود السياسية لم يكن بيد شعوب المنطقة، بل كان خاضعاً لإرادة القوى الكبرى التي كانت تمتلك القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية.

ومع ذلك، وبعد مرور أكثر من قرن على قيام لبنان الكبير، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بما تحقق في هذه التجربة من إيجابيات، ولا سيما في مجال الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير، وهي مساحة افتقدتها كثير من الدول العربية التي خاضت تجارب قومية أو اشتراكية انتهى معظمها إلى أنظمة مغلقة حدَّت من الحريات.

ومن هنا، فإننا لا ننكر أهمية دولة لبنان الكبير، ولا نتجاهل ما وفرته من ميزات، ولكننا في الوقت نفسه ندعو إلى قراءة تاريخها قراءةً متوازنة، تضع كل الوقائع في سياقها الصحيح، بعيداً عن المبالغة أو الاختزال.

رابط فيديو: خطبة الجمعة: 31-7-2026:

https://www.facebook.com/reel/2030632981150771

مقالات ذات صلة