محمد ﷺ نبي الرحمة

بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 8 ربيع الاول 1448هـ الموافق له 21 اب 2026م

محمد نبي الرحمة

‏ ‏لماذا لا تنزل اللعنة على المسلمين، كما نزلت على بني اسرائيل، رغم ان المسلمين خلال التاريخ، وصولا الى يومنا هذا، فعلوا كل ما فعله بنو اسرائيل بشكل او بآخر، فقتلوا الانبياء، او احفاد الانبياء ولا فرق، وقتل بعضهم بعضا لأتفه الاسباب، وزوروا تفسير القرآن باعتبار انهم عاجزون عن تزوير النص القرآني نفسه، لانه محفوظ  بحفظ من الله، ونقضوا المواثيق مع الله ومع البشر… الخ.

السبب باختصار بأننا أمة محمد ﷺ، نبي الرحمة، الذي ادخر دعاءه المستجاب لأمته، والذي دعا بالرحمة حتى اصحاب الكبائر من امته، والذي عفا عمن ظلمه … الخ.

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)) الانبياء.

وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)) (الانفال).

والسبب الثاني، ان القرآن محفوظ من التبديل وليس كالكتب السابقة.

والسبب الثالث، وجود فئة تجدد الدين دائما، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق…

وهم الآن، والله اعلم، المقاومة واهلها.

ـــــــــــــــــــــــ

وورد في الخطبة ما يلي:

محمد وحفظ الامة من اللعنة:

سيدنا محمد ﷺ، الذي هو حاضر في القرآن الكريم، وحاضر في حياة الأمة، وحاضر في صلاتنا وأذاننا، وحاضر في عقيدتنا ووجداننا، إن عظمة محمد ﷺ لا تكمن فقط في أنه خاتم الأنبياء، ولا في أنه صاحب الشفاعة والمقام المحمود، بل في أن رسالته جاءت رحمةً للعالمين، وأن وجود أثره في هذه الأمة كان سببًا من أسباب رحمة الله بها.

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: 33)، ومن هنا نفهم جانبًا من عظمة هذه الأمة: فمع كل ما وقع فيها من أخطاء، ومع كل ما شهدته من اقتتال وتفرقة وظلم، لم ينقطع فيها الخير، ولم ينقطع فيها من يحمل الحق ويجدد الدين، والقرآن نفسه محفوظ، لا يستطيع حاكم ولا ملك ولا سلطة أن تزيد فيه أو تنقص منه. لكن الذي يمكن أن يقع هو تحريف التفسير، أي أن تُقتطع الآية من سياقها، أو تُفسر بما يخدم سلطة أو مصلحة سياسية.

ومن أخطر الأمثلة على ذلك أن يُقال إن قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (النساء: 59)، يعني طاعة الحاكم طاعةً مطلقة، مهما ظلم أو جار، وهذا فهم مجتزأ؛ لأن القرآن قبل أن يتحدث عن الطاعة يضع قاعدة الأمانة والعدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58)، ثم يقول سبحانه: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: 59)، إذن، المرجع عند الاختلاف هو الله ورسوله، وليس السجون والمعتقلات والقتل والاغتيال.

ومن صور التلاعب بالتفسير كذلك أن تُؤخذ آية واحدة بمعزل عن سائر القرآن. قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (الأنفال: 61)، لكن في الموضع نفسه يأمر الله بالإعداد والقوة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60)، القرآن لا يتناقض، وإنما ينبغي أن تُفهم آياته في مجموعها وسياقها، لا أن تُستخدم آية واحدة لإلغاء بقية الأحكام والمبادئ.

وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه بنو إسرائيل حين قال الله تعالى عنهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85)، والخطر نفسه قائم عندما تتحول النصوص الشرعية إلى أدوات لخدمة المصالح السياسية.

لماذا لا تنزل اللعنة على هذه الأمة كما نزلت على أمم سابقة، رغم كل ما فيها من تقصير؟ لأن رسول الله ﷺ حاضر في الأمة برسالته، ولأن القرآن محفوظ، ولأن في الأمة من لا يزال ثابتًا على الحق، يجدد الدين، ويدافع عن المظلوم، ويتمسك بالحق رغم كثرة الضغوط، وهنا نستحضر الحديث عن الطائفة التي تبقى ظاهرة على الحق، لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله، وهذا الثبات نراه في فئات من أبناء الأمة في فلسطين ولبنان وغيرهما، ممن يتمسكون بأرضهم وحقوقهم، ويواجهون الاحتلال والعدوان، ويصبرون على ما يصيبهم من قتل وتهجير وحصار، إن رسالة الإسلام لا تقوم على الاستسلام للظلم، كما أنها لا تقوم على الظلم المقابل؛ وإنما تقوم على العدل والكرامة والدفاع عن الحق، ومن هنا يجب أن نفهم معنى الوحدة الإسلامية، لقد جعل الله المسلمين أمة واحدة، فلا ينبغي أن تتحول الحدود السياسية إلى جدران تفصل بين أبناء الأمة في العقيدة والمصير والمسؤولية.

فالفلسطيني واللبناني والسوري والأردني وغيرهم، وإن اختلفت أوطانهم وحدودهم السياسية، يجمعهم الإسلام، وتجمعهم قضايا مشتركة، وتجمعهم مسؤولية أخلاقية تجاه المظلومين، وإذا كان البعض يريد أن يجعل من الاختلاف السياسي أو المذهبي ذريعة للتفرقة، فعلينا ألا نتحول إلى أدوات في مشروع التفتيت، علينا أن نرفض العنصرية، وأن نرفض احتقار الشعوب، وأن نرفض أن ننظر إلى المسلم الآخر باعتباره غريبًا لمجرد اختلاف جنسيته أو بلده.

إن النبي محمدًا ﷺ جاء برسالة تجمع ولا تفرق، وتبني الأمة ولا تمزقها، وفي ذكرى مولده ﷺ، ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل نحن أتباع حقيقيون لهذا النبي؟ هل نحمل رحمته؟ هل نتمسك بعدله؟ هل نحفظ وحدة الأمة؟ هل ندافع عن المظلوم؟ هل نرفض تحريف الدين لخدمة أصحاب السلطة والمصلحة؟، هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها على أنفسنا.

إن الاحتفال الحقيقي برسول الله ﷺ ليس في الكلمات وحدها، وإنما في الاقتداء به، وفي التمسك بدينه، وفي الرحمة بالمؤمنين، وفي نصرة الحق، وفي مقاومة الظلم، وفي جمع الكلمة.

رابط فيديو: خطبة الجمعة: 21-8-2026:

https://www.facebook.com/reel/1774240447245394

مقالات ذات صلة