ظاهرة النفاق، وكيف تعامل معها رسول اللهﷺ

بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 22 ربيع الاول 1448هـ الموافق له 4 ايلول 2026م

ظاهرة النفاق، وكيف تعامل رسول الله

لن نصدق أخبار العدو الصهيوني بموضوع السيطرة على موقع علي الطاهر، وننتظر بيانا أو توضيحا من المقاومة وعلى كل حال، فإن احتلال الصهاينة لهذا الموقع أو غيره ليس نهاية المطاف، وليس نهاية المقاومة، نعم ستزداد وقاحة أعداء المقاومة، وسترتفع أصواتهم بباطلهم، ولكن المهم هو النتيجة، فلقد حصل في تاريخنا تراجع لمواقع أهل الحق أمام الباطل، ثم تتعدل الموازين وينتصر الحق ويعلو صوته … ﴿ وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾ (سورة البروج: 20).

ـــــــــــــــــــــــــــ

‏إطلاق المعتقلين اللبنانيين من سجون العدو، أمر إيجابي لهم ولاهاليهم، ولكن ضمن السياق العام ليس شيئا … انه حقنا، ولا ننسى أن الصهاينة يرفضون إعطاء لائحة بأسماء المختطفين، ولا يسمحون للصليب الأحمر بالوصول إليهم، ولا يسمحون لهم بالمرسالة مع أهاليهم، كما تنص القوانين الدولية، ولقد نطقت الوساطة الأمريكية بما يعبر عن الواقع، “إنجازات” قليلة بطيئة ولكنها “إنجازات”.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

‏إن اتفاق مكة بنظرنا، رسالة رئيسية للأميركيين من خلال دول هي جزء من السياسة الأميركية في المنطقة، رسالة تقول: لم تستطيعوا حمايتنا كما زعمتم عندما أنشأتم القواعد الأميركية في بلادنا، سنتتعاون لرد ا”لعدوان” عن بلادنا.

‏إن مصلحة لبنان أن ينضم إلى هذا الاتفاق، ل أن يغازل محور اليونان، قبرص، الإمارات… وإسرائيل.

ـــــــــــــــــــــــــ

وورد في الخطبة ايضا ما يلي:

المنافقون في المدينة:

لم تكن ظاهرة النفاق بارزة في مكة، وذلك لسبب واضح؛ فما الذي يدفع الإنسان إلى أن يدخل في الإسلام ظاهرًا ويضمر الكفر باطنًا، وهو يعلم أن ثمن الدخول في الإسلام في مكة كان باهظًا من الأذى والاضطهاد والتضحية؟ أما في المدينة، فقد أصبح للمسلمين قوة وسلطة، وأصبح هناك غنائم ومكاسب، وأصبح المرجع هو رسول الله ﷺ، فكان بعض الناس يخشى العقوبة من جهة، ويرجو المكاسب من جهة أخرى، فيُظهر الإسلام ويُبطن الكفر، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ۝ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۝ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون: 1-3]، ومن أبرز صفات المنافق أنه يكثر من الحلف؛ فهو يلجأ إلى الأيمان ليستر كذبه، أو ليدفع عن نفسه شك الناس فيه، ولذلك ينبغي للمؤمن ألا يُكثر من الحلف، بل الأصل أن يكون صادقًا من غير حاجة إلى كثرة الأيمان، ولا يُلجأ إلى اليمين إلا في الأمور المهمة، كالقضاء، أو دفع فتنة، أو إزالة بلبلة عظيمة، أو إخراج الناس من الشك إلى اليقين.

موقف النبي ﷺ من عبد الله بن أُبيّ:

ظهر من المنافقين من كان شديد التأثير في الناس، فصيح اللسان، قادرًا على إقناع من حوله، ومن أبرزهم عبد الله بن أُبيّ بن سلول، رأس المنافقين، وقد وقعت حادثة مشهورة عند عودة المسلمين من غزوة بني المصطلق، حين حصل خلاف بين بعض المسلمين على الماء، ثم قال عبد الله بن أُبيّ كلامًا معناه: إذا رجعنا إلى المدينة فليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، وكان من الممكن أن تتحول هذه الكلمة إلى فتنة كبيرة بين المسلمين.

لكن كيف تعامل رسول الله ﷺ مع الأمر؟ لم يأمر بقتله، ولم يسمح بتحويل الحادثة إلى صراع داخلي، وإنما قال لأصحابه: “اركبوا”، فسار بهم طويلًا، حتى استغرق المسير بقية النهار وجزءًا من الليل، ثم نزلوا فناموا، وانطفأت الفتنة وسكن الناس، لقد أدرك رسول الله ﷺ أن الحكمة في مثل هذه المواقف قد تكون في منع الاحتكاك، وإعطاء النفوس وقتًا حتى تهدأ، بدلًا من إشعال المواجهة، وفي أثناء ذلك جاء عبد الله بن عبد الله بن أُبيّ، وكان مؤمنًا صادقًا، وقال للنبي ﷺ إنه سمع أن رسول الله يريد قتل أبيه، فقال: إن كنت فاعلًا فاجعلني أنا الذي أقتله؛ لأنه يخشى، إذا رأى قاتل أبيه بعد ذلك، أن تدفعه الحمية إلى قتل مؤمن بكافر، فيقع في الإثم.

اجتمع في هذا الموقف أمران عظيمان: الإيمان والبر بالوالدين، فماذا قال له رسول الله ﷺ؟

قال له: بل برَّ أباك وأحسن صحبته، وهذا من عظمة الإسلام؛ فالوالدان لهما حق البر والإحسان، حتى لو كانا على غير الإسلام، ما لم يأمرا بمعصية.

رحمة النبي ﷺ بعبد الله بن أُبيّ:

دخل المسلمون المدينة، وانتهت تلك الحادثة، وتكفّل الله تعالى بفضح المنافقين وبيان حقيقتهم.

قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنْفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ۝ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ المنافقون: 7-8]، وكان عبد الله بن أُبيّ شخصية ذات تأثير كبير في أهل المدينة، وقد كان قبل قدوم رسول الله ﷺ مرشحًا لأن يكون صاحب مكانة وقيادة في المدينة، فلما جاء رسول الله ﷺ تغيّر المشهد، وبقي عبد الله بن أُبيّ يحمل في نفسه ما يحمل، ومع ذلك، لو أنه أسلم وحسن إسلامه، لكان يمكن أن يكون قائدًا عظيمًا، فقد قال رسول الله ﷺ: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، لكن المشكلة أنه عاش في أوهامه، وأصر على نفاقه، وعندما أوشك على الموت، جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ، فأعطاه النبي ﷺ قميصه ليُكفّن فيه، ورجا أن يكون في ذلك تخفيف عنه، ولم يكتفِ بذلك، بل أراد أن يستغفر له ويصلي عليه، مع أن الرجل كان قد آذى رسول الله ﷺ وآذى المسلمين، وكان ممن تولّى كِبْرَ حديث الإفك، ثم نزل قول الله تعالى:﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ التوبة: 80]، فقال النبي ﷺ إنه سيستغفر لهم أكثر من سبعين مرة، ثم نزل النهي الصريح ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ التوبة: 84]، فلما نهاه الله تعالى، امتثل رسول الله ﷺ.

وهنا نرى بوضوح رحمة رسول الله ﷺ، فقد ظل يستغفر، ويدعو، ويعطي قميصه، ويعامل المنافق بالرحمة، حتى جاء النهي الإلهي الصريح.

ــــــــــــــــــــــــ

تحدثنا عن الرحمة، ولكن الرحمة لا تعني إلغاء التمييز بين من يسالمنا ومن يعادينا، وبين من لا يقاتلنا ومن يقاتلنا، فحتى المشرك المسالم، وأهل الكتاب المسالمون، أمرنا الله تعالى بحسن معاملتهم، ولذلك ينبغي أن تكون علاقاتنا قائمة على المصلحة والعدل والوضوح، لا على التقرب من الأعداء من دون ضوابط.

ومن هنا نطرح سؤالًا يتعلق بلبنان وموقعه في الاصطفافات الإقليمية والدولية: لماذا نضع لبنان في محور يرتبط باليونان وإسرائيل والإمارات وإثيوبيا، في الوقت الذي تتشكل فيه تفاهمات إقليمية أخرى تبحث عن حماية ذاتية، ومن ذلك ما يُشار إليه في سياق العلاقة بين باكستان وتركيا والسعودية؟ إن المطلوب أن نبحث عن مصلحة لبنان، وأن نسأل: أين تكون مصلحتنا الحقيقية؟ ومن هي الدول التي يمكن أن نتعاون معها بما يحفظ استقلال لبنان وأمنه ومصلحته؟ ومن جهة أخرى، سمعنا عن زيارة السفير الفلسطيني في لبنان إلى الدامور لتقديم اعتذار عن مجزرة الدامور التي وقعت في كانون الثاني عام 1976،  وهذه خطوة إيجابية، ولكنها تبقى ناقصة إذا لم تكن الاعتذارات شاملة وعادلة.

وقد سمعنا في مراحل مختلفة اعتذارات من قيادات فلسطينية ويسارية عن أخطاء ارتكبتها المقاومة الفلسطينية أو الحركة الوطنية، سواء اتفقنا على تفاصيل تلك الروايات أم اختلفنا، كما سمعنا اعتذارات من بعض القيادات اللبنانية عن أعمال قتل وإرهاب وقعت خلال الحرب الأهلية، وهذا أمر جيد من حيث المبدأ؛ فالاعتذار عن الخطأ فضيلة، والاعتراف بالظلم خطوة نحو المصالحة، ولكن السؤال هو: لماذا تكون الاعتذارات من طرف دون آخر؟ ولماذا لا تكون هناك مراجعة شاملة لكل الأخطاء، بحيث لا يُطلب من فريق أن يعتذر عن أخطائه بينما تُعفى الأطراف الأخرى من المسؤولية؟ أما العلاقة مع إسرائيل، فلا يمكن تبريرها بأي شكل من الأشكال على أساس أنها كانت دائمًا ضرورة فرضتها الظروف. وقد قلنا مرارًا إن العلاقة مع إسرائيل لم تبدأ بسبب المقاومة الفلسطينية، ولا بسبب عبد الناصر، ولا بسبب إيران أو حزب الله، وإنما تعود جذورها إلى مراحل سابقة.

كما أن هناك مواقف تاريخية لبعض الشخصيات الدينية والسياسية التي طرحت تصورات للبنان وعلاقته بالمنطقة، وتحدثت عن لبنان بوصفه موطنًا للموارنة، في مقابل إسرائيل بوصفها موطنًا لليهود، وهنا ينبغي أن نسأل: هل هذه المواقف كانت تمثل جميع المسيحيين أو جميع الموارنة؟ بالطبع لا يمكن التعميم، فالمجتمعات لا تختصر بشخص أو بشخصين.

المطلوب اليوم ليس فتح جراح الماضي من أجل الانتقام، وإنما فتحه من أجل الحقيقة والمصالحة والعدالة، وأن يكون الاعتذار متبادلًا، والمراجعة شاملة، وأن نضع مصلحة لبنان ووحدته فوق كل اعتبار.

رابط فيديو” خطبة الجمعة: 4-9-2026:

https://www.facebook.com/reel/1766953844448696

مقالات ذات صلة