موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة: بتاريخ 25 جمادى الآخرة 1446هـ الموافق له 27 كانون الاول 2024م: الميلاد باب للوطن

    بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 25 جمادى الآخرة 1446هـ الموافق له 27 كانون الاول 2024م

الميلاد باب للوطن

هل يمكن ان يكون ميلاد سيدنا عيسى المسيح عليه السلام مناسبة لتقريب النفوس وتقليل المسافات بين اللبنانيين، وبين المسلمين والمسيحيين بشكل عام؟.

سؤال نطرحه وقد حفرت الاحداث خنادق بين اللبنانيين ومنعت التواصل الا بالاتهامات والتموضع الذي يستند الى مشاعر يمكن ان تتحول الى اكثر من ذلك، اذا ما اتخذت جهات خارجية قرارا بالتصعيد وبتذكير اللبنانيين بالحرب الاهلية وشعاراتها، لا سمح الله.

الجواب الاولي على السؤال نعم، اذا ما انكبّ المسلمون على كتابهم، واذ فعّل المسيحيون المبادئ التي تلقى في المواعظ الكنسية، فكيف ذلك؟.

بين الاسلام والمسيحية وفق ما هو مطروح في مجتمعاتنا، فارق رئيسي لا يمكن اغفاله، وهو ان سيدنا المسيح عليه السلام هو نبي من انبياء اولي العزم الخمسة الذين فضلهم الله على بقية الانبياء، وهم  نوح، ابراهيم، موسى، عيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وهو مميز بمعجزاته وبكثير من صفاته، ولكن ليس الهاً ولا ابن اله.

وهنا الفارق الرئيسي، ومع ذلك فاننا نجد ان النص القرآني يطرح ما يشبه التنافس في قيمة واهمية سيدنا المسيح عليه السلام.

فلقد ورد في القرآن ثم في الاحاديث الشريفة، معجزات وصفات ودور لسيدنا عيسى المسيح عليه السلام تفوق كثيرا ما ذكر في الاناجيل المتداولة، فهل اذا طرحنا فكرة التنافس في حب المسيح عليه السلام ، نصل الى شيء هام؟:

اولا: مدة حمل سيدنا المسيح عليه السلام، تحتفل الكنائس بيوم يسمونه يوم (الحمل بلا دنس)، او الحمل البتولي، وفق الارثوذكسي، ويحسب قبل تسعة اشهر من عيد الميلاد ، وفق ما تم الاتفاق عليه عام 325م بين رؤساء الطوائف المسيحية آنذاك.

يعني يؤكد الاحتفال بهذا اليوم بأن حمل سيدنا عيسى عليه السلام دام تسعة اشهر كأي طفل وكأي جنين، فيما النص القرآني يشير اشارة خفية الى ان الحمل دام وقتاً اقل من ذلك بكثير قد يكون ساعات او اياماً او اسابيع قليلة، وليس ثمة ما يثبت ذلك ولم يتفق علماء المسلمين على وقت حمل سيدنا عيسى عليه السلام، ولكن النص القرآني لافت.

فلقد ورد في سورة مريم في صفحة ونيف فقط عن قصة حمل سيدنا عيسى ووضعه حرف (الفاء)، وهو حرف عطف يدل على الترتيب والسرعة ثلاثة عشر مرة منها، عشرة على الاقل تدل على العطف مع الترتيب والسرعة، وكأن النص يؤكد ان الحمل دام فترة قصيرة، بل قصيرة جدا، والله اعلم.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21۞ فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)) (مريم).

ثانيا: خرجت السيدة مريم تحمل طفلها وسط استهجان القوم واستنكارهم، فأشارت اليه، فتكلم الطفل في المهد يؤكد هويته ويدافع عن امه ويعلن عن رسالته التي ارسله الله لها، وسط ذهول القوم، معجزة ، ليست مذكورة في الاناجيل وهي برأينا أهم ما انقذ السيدة مريم من الاتهامات الباطلة.

ثالثا: المائدة في الرواية المسيحية ،ان سيدنا عيسى عليه السلام جمع الحواريين ليلة صعوده الى السماء وتناول معهم العشاء الاخير الذي كان عبارة عن خمر وماء، فيما النص القرآني في آخر سورة المائدة، وهي من السور الطوال، وقد سميت على اسم هذه المعجزة… في القرآن ان الحواريين طلبوا مائدة من السماء، فنزلت المائدة عليها الطعام، تحملها الملائكة ليتناول الجميع الطعام الذي كان من الاسماك، ولا تزال السمكة رمزا للرزق حيثما كتبت او رسمت.

إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115) (المائدة).

وبالمناسبة فان شعار المسيحيين قبل ان يتخذ الصليب شعارا كان (سمكة)، ترسم على بيوتهم ليتميزوا عن الوثنيين، وقد اتخذت على سبيل المثال قناة النور المسيحية والتي هي من المؤسسات الكنسية المعتمدة، السمكة شعارا لها، مما يجعلنا نرجح ان هذا الشعار تسرب من تلك المائدة المعجزة المذكورة في القرآن الكريم، ولم يتخذ الصليب شعراً الا بعد قرون من الزمن.

كما ان عيسى عليه السلام كان (ينبئهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم)، مما هو غير واضح في الاناجيل.

رابعاً: ويبقى الفارق الكبير ان سيدنا عيسى عليه السلام في الاسلام، رفع الى السماء قبل صلب شبيهه، وهو هنالك على الشكل الذي رفع به بنفس الثوبين والبلل الذي في رأسه على ما هو عليه، وينزل قبل يوم القيامة ويقتل الدجال، ويثبت شخصيته المميزة ويحكم الارض اربعين عاماً هي أفضل اعوام الارض، ولذلك تفصيل لاحق باذن الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشرق الاوسط الجديد:

لن يسمح المجتمع الدولي والجهات الضالعة بالتغيير التاريخي الذي حصل في سوريا، لن يسمح هؤلاء لسوريا بأن تستقر وبأن تنمو، الخطة الجهنمية هي الفوضى، بكل ما في الكلمة من معنى كما حصل في العراق بعد الغزو، وكما حصل في ليبيا والسودان وغيرها، لن يُسمح لسوريا بأن تستقر الا اذا اصبحت فعلياً جزءاً من الشرق الاوسط الجديد الذي رسمته الدوائر الغربية جميعا وتبنته اميركا وبشر به نتنياهو، وهو شرق اوسط تنفرد فيه اسرائيل ومن معها بالقرار السياسي والعسكري، خال من المقاومة ومن الاتجاهات “المعادية” للصهيونية، وهم يعيشون الآن لحظة نشوة وانتصار، وهم يتجولون في انحاء سوريا قاطبة ويدخلون الى مناطق في جنوب لبنان عجزوا عن الوصول اليها رغم كل ما بذلوا من جهود وخسائر.

نقول باختصار، قناعتنا ان هذا لن يستمر، وستتدحرج الاحداث بحيث تحاصر الصهيونية رغم قواهم “الخارقة”، وان ما نعتقد به عن مستقبل الصهيونية نؤكد انها فترة قصيرة باذن الله، ولا يلبث الشرق الاوسط الجديد وفق رؤيتنا ان يتحقق من حيث لا يدري احد، والله اعلم.

رابط فيديو: خطبة الجمعة: الجزء الاول: 27-12-2024: https://www.facebook.com/shekh.maherhammoud/videos/599823199367827

مقالات ذات صلة