موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة: بتاريخ 29 شعبان 1446هـ الموافق له 28 شباط 2025م : شهيد الأمة وسورة يوسف

      بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 29 شعبان 1446هـ الموافق له 28 شباط 2025م

شهيد الأمة وسورة يوسف

‏تستند سورة يوسف على تعبير، تفسير الرؤى، فهي تستند أولاً على رؤيا سيدنا يوسف، حيث رأى: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ(5)﴾، ثم رؤيا السجينين، حيث رأى أولهما انه (يسقي ربه خمراً) أي سيده، اي انه سيُعفى عنه وسيعود لمهنته الاصلية، وهو ساقي الملك، والاخر رأى انه يصلب وتأكل الطير من رأسه،  يعني انه سيُدان ويحكم بالموت، ثم يصلب وتأكل الطيور الكواسر من رأسه،  ثم رؤيا الملك التي قد تكون رؤيتين (… سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ … (43)) ، وبعد ان رفض سيدنا يوسف عليه السلام ان يخرج من السجن حتى يُبرأ من التهمة التي اتهموه بها، وهكذا كان…

وفي آخر السورة، اي بعد اربعين عاما، على الارجح، رفع ابويه على العرش وخروا له سجد، وقال : ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يو سف – 100).

الرؤى، المنامات، على أنواع، منها ما يشبه الوحي، اي الالهام، منها ما هو اضغاث، يعني كالقش الذي لا قيمة له، ومنها ما هو انعكاس لحاجة طبيعية، وثمة علامات واضحة تجعل الانسان ينتبه الى ما يراه، ان كان من هذا النوع او ذاك.

ولا ننسى ان نقول ان علم النفس الحديث الذي اسسه (سيغموند فرويد) (1856-1939) يعتمد على تفسير المنامات، ثم ينطلق الى توسعة الامر، ولا ننسى ان نذكر ان رؤى الانبياء وحي، كرؤيا سيدنا ابراهيم في ذبح ولده، وغير ذلك… الخ.

اما السيد حسن نصر الله، اعلى الله مقامه، فانه كان في السابعة عشرة من عمره، وذلك عام 1977، وكان في النجف، اذ رأى نفسه وكأنه في صحراء، حيث يوجد مسجد مكتظ، ثم ما لبث ان سمع صرخة قوية حيث قال قائل: قُتل السيد موسى الصدر، فقام هو يساعده الشيخ علي الخطيب (نائب رئيس المجلس الشيعي الاعلى اليوم) فقتل قاتل موسى الصدر دون ان يراه او يرى دماً، ففسر له المنام عالم عراقي اسمه الشيخ معين قال له: يُقتل موسى الصدر في ارض غريبة، (وكان ذلك قبل اختطاف السيد موسى الصدر بعام كامل، حيث انه اختطف في ليبيا في آخر آب 1978) فحزن لذلك كثيراً، اذ كان السيد موسى الصدر رحمه الله، يعني له الكثير، ولما اراد الانصراف قال له المعبر، الا تريد ان تسمع بقية القصة؟ قال بلى، قال يقتل موسى الصدر في ارض غريبة وانت تنجز ما بدأ به، كما انه رأى في نفس الفترة رؤى تؤكد انه سيكون له شأن كبير، فبنى حياته على ذلك ووطد نفسه لعمل عظيم، وهكذا كان، لقد سخره الله منذ شبابه الغض، منذ ان كان في الخامسة والعشرين لقيادة المقاومة من نصر الى نصر حتى اصطفاه الله للشهادة، هنا نؤكد ان هذه الطاقة الروحية التي استند عليها، ساعدته في قيادة المقاومة في أحلك الظروف واشدها قسوة، وهنا نقول للتأكيد بأن صراعنا مع الصهاينة ثم “برعاية” مباشرة من رب العالمين، حيث نجد مثلا في الصفحة الاولى من سورة الاسراء التي تتحدث عن علو وفساد بني اسرائيل، ثم دخولنا الى المسجد  الاقصى، ان الافعال ينسبها ربنا الى نفسه فيقول وقضينا، بعثنا، رددنا، وامددناكم وجعلناكم، وان عدنم عدنا، وجعلنا … الخ.

ونحن الآن في مرحلة (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ (الاسراء – 6)، ونؤكد مرة اخرى ان كلمة (نفير) هنا لا تعني الكثرة بقدر ما تعني القدرة على استنفار العالم، حيث نرى بشكل واضح قدرة الصهاينة على استنفار الاميركي والاوروبي وسائر العالم ، بمن في ذلك كثير من العرب والمسلمين، لقد رأينا ترامب على سبيل المثال لا الحصر، كيف أمسك بكرسي نتنياهو واجلسه، وكأنه خادمه… الخ.

نحن اذن، والله اعلم، في هذه المرحلة حيث ينذرهم تعالى بقوله (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ…) (الاسراء – 7)، هم بالتأكيد لم يحسنوا استعمال ما مكنهم تعالى منه، فتأتي بعد ذلك المرحلة الاخرى (…فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ…).

رفع الشهيد السيد حسن وسائر الشهداء الذين ايضا يتمتعون بكثير من الطاقة الروحية، رفعوا مستوى هذه الامة واخرجوها مما هو تحت الصفر، الى مرتبة عالية تمهيداً للمرحلة التي تتأهل الامة لهذا الوعد الرباني الكبير، وبالتالي نحن لا نرى ان استشهاد السيد حسن والسيد صفي الدين ومن قبله اسماعيل هنية والشيخ احمد ياسين وفتحي الشقاقي … الخ، وهذه القافلة التي لا تنتهي، رفعوا مستوى الامة بايمانهم وشفافيتهم واخلاصهم وجهادهم، هذه الامة التي تتحضر للوعد العظيم باذن الله.

ومن جملة ما نفهمه من الآية الكريمة، هذا الصلف الاميركي – الصهيوني الذي يظهر في نقض المعاهدات والاستحقاق بكل المواثيق، من خلال الاغتيالات المستمرة واعلان عن عدم الانسحاب من النقاط الخمس، ومن خلال اشتراطه الدخول في استسلام كامل للصهاينة من خلال ما يسمى (دين ابراهيم) المزعوم او غيره بعد تسليم كامل السلاح…

هذا الصلف والكبرياء لن يدوم ويكفي ان نعلم ان السلاح الذي يُسلم للجيش، على سبيل المثال، يتم تدميره بأمر اميركي، ولا يسمح للجيش بتخزينه واستعماله، فان ثبت ذلك، فان ذلك يعني سقوط مقولة ان الجيش سيتولى الدفاع عن لبنان عوضا عن المقاومة، مما سيفتح الباب على احتمالات مفتوحة.

وفي فلسطين، رغم كل الدمار والاستكبار الاميركي، فاننا رأينا في غزة صورة نصر لا يمكن ان ينكرها الا جاحد، خروج هذا العدد من السجناء الذين قضوا نصف اعمارهم او اكثر في سجون الاحتلال، وفي ظروف قاسية جدا، يخرجون اعزاء رافعي الرؤوس مفعمين بالايمان واليقين والعقيدة السليمة: ان هذا المشهد يؤكد لنا ان الصهيوني مهما فعل فانه مهزوم، وان هذه القدرة الاستثنائية التي يتمع بها الآن، لن تدوم، ولن تلبث الايام ان تتغير حتى يتحقق وعد الله قريبا باذن الله.

رابط فيديو الخطبة: 28-2-2025:

https://www.facebook.com/100091365855130/videos/1508212917232892

مقالات ذات صلة