(حَقِيقٌ عَلَىٰ أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ … ( (105) (الاعراف)
بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 7 ربيع الآخر 1448هـ الموافق له 18 ايلول 2026م
(حَقِيقٌ عَلَىٰ أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ … ( (105) (الاعراف)
وردت هذه الكلمة على لسان موسى عليه السلام، وهو يواجه فرعون، وقد اختارها كثير من العلماء ممن شيدوا المساجد والمنابر لتكون شعارا يكتب على المنابر ليذكر الخطيب انه يجب أن يقول الحقيقة ولا شيء إلا الحقيقة من على المنبر الذي يوصف إنه منبر رسول الله ﷺ.
وقد مرت قرون من الإسلام أكد فيها كبار العلماء وأئمة الفقه أنهم لا يمكن أن يكونوا عونا للظالم على الناس، وألاّ يمالؤا الحكام على حساب دينهم، آخذين بحديث رسول الله ﷺ سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله.
وإن أبرز الامثال هو الإمام أبو حنيفة الذي دعم ثورة زيد بن علي بن الحسين عام 122هـ في وجه الأمويين، ودعم ثورة النفس الزكية حفيد الإمام الحسن عام 145هـ في وجه العباسيين، ولم يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد المذهبية في تلك الثورتين، إنما كان موقفه لله ولله وحده.
ما بال اليوم حكامنا يريدون تسخير المنابر لمصلحتهم وظلمهم واعتداءاتهم، وآخرها أن يطلب من علماء الدين دعم العدوان السعودي الغاشم على اليمن، وأن يدافع عن الكذبة الكبرى التي أطلقت في الأسبوع الماضي: مسّيرة يمنية تم التصدي لها قبل وصولها إلى الحرم المكي الشريف!!!، من يصدق الإعلام السعودي، ولقد جربنا عليه الكذب البواح مرارا وتكرارا.
يريدون للمنابر أن تحول الباطل حقا والحق باطل…
لقد صمت هؤلاء حكاما ومحكومين وعلماء مزورين عن ابادة غزة ودمار جنوبي لبنان وحصار اليمن وحصار إيران بغير حق، ويُراد لهم أن ينطقوا ليبرروا العدوان السعودي المستمر من 2015، دون أي مبرر، إلا دعما لإسرائيل التي تخشى من صدق أهل اليمن وأبطالهم في مشاركة فلسطين المقا ومة الشريفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
جلسة مجلس النواب الاخيرة تؤكد المؤكد الذي قلناه ومنذ فترة، هذه السلطة هي سلطة الآخرين على ارضنا، عكس ما يزعمون، ان المقا ومة هي مقا ومة الآخرين على ارضنا، المقا ومة هي مقا ومة أهل الارض المرتبطين بها المزروعين فيها، كالزيتون المعمر، كالحصون العاتية على السنين.
اما هذه السلطة فقد اتت بقرار خارجي وحازت الثقة بقرار خارجي، وقبل هذه الجلسة الاخيرة أبلغ الجميع من قبل السعودية انه ممنوع اسقاط هذه الحكومة، قولوا ما تشاؤون ولكن لا بد لهذه الحكومة ان تنال الثقة.
لا تتشدقوا بالسيادة والوطنية والشعارات الكاذبة، انتم سلطة الخارج ولستم ممثلين للشعب اللبناني كما تزعمون.
ــــــــــــــــــــــــــــ
وورد في الخطبة ما يلي:
دور العالم في قول الحق ومواجهة انحراف السلطة:
إن وظيفة العالم الأساسية هي التبليغ وبيان الحق، حتى لا يأتي الإنسان يوم القيامة محتجًا بأنه لم يعلم أو لم يسمع. ولذلك بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، قال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]، كما ذكّر الله بني آدم بالميثاق الأول: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: 172]،حتى لا يقول الإنسان يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾.
انفصال السلطة عن العلماء:
من القضايا المهمة في التاريخ الإسلامي العلاقة بين القرآن والسلطان، أي بين الدين والسلطة السياسية. ففي عهد الخلفاء الراشدين كان هناك تداخل واضح بين المرجعية الدينية والسياسية، ثم حدث مع مرور الزمن انفصال بين السلطة السياسية والمرجعية الدينية.
ومن هنا برز دور العلماء في مراقبة السلطة، ونصح الحكام، والوقوف في وجه الظلم والانحراف، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل قول الحق أمام الحاكم الجائر، ومنها: سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله، كما ورد في الحديث بيان مراتب مواجهة الانحراف: فمن أنكره بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، بحسب قدرته، فذلك من الإيمان.
والأصل أن العالم لا يتحول إلى تابع للسلطان، ولا يجعل علمه وسيلة لتبرير الظلم، بل يبقى صوتًا للحق.
طاعة الحاكم ليست طاعة عمياء:
ومن هنا يبرز السؤال: من أين جاءت فكرة الطاعة العمياء للحاكم؟ نعم، وردت النصوص التي تأمر بالصبر عند الفتن، وتحذر من الفوضى وسفك الدماء، لكن هذا لا يعني أن العالم مطالب بمجاملة الظالم أو أن يصبح جزءًا من حاشيته، وهذا واضح في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما قال بعد توليه الخلافة: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن رأيتم فيَّ اعوجاجًا فقوموني، فقال له سلمان رضي الله عنه: سنقومك بسيوفنا، فقال عمر: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها، وهذه الكلمات تؤكد أن الحاكم ليس فوق النصيحة والمحاسبة، وأن الأمة والعلماء لهم مسؤولية في تقويم السلطة.
هل الحاكم يصنع الناس أم الناس يصنعون الحاكم؟:
ثم تأتي مسألة أخرى: من المسؤول عن فساد المجتمع، الحاكم أم الناس؟ هناك علاقة متبادلة بين الاثنين؛ فالحاكم يتأثر بالمجتمع، والمجتمع يتأثر بالحاكم، وقد نُقل عن عبد الملك بن مروان أنه قال للناس: أتريدون مني أن أكون كأبي بكر وعمر؟ فقالوا: نعم. فقال لهم: إذن كونوا كالذين كانوا في زمن أبي بكر وعمر، لكن تجربة عمر بن عبد العزيز جاءت لتبين أن الحاكم نفسه يمكن أن يكون عاملًا أساسيًا في إصلاح المجتمع؛ فقد أصلح نفسه، ثم انعكس ذلك على الدولة والناس، إذن العلاقة جدلية، لكن صلاح الحاكم له أثر كبير في صلاح الناس، كما أن فساد السلطة يمكن أن ينعكس فسادًا على المجتمع.
أنس بن مالك والحجاج:
ومن الأمثلة المؤلمة ما تعرض له الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه في عهد الحجاج بن يوسف، وأنس بن مالك هو الصحابي الذي خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، ودعا له النبي بالبركة، وعاش عمرًا طويلًا، ومع ذلك، تعرض للإهانة والضغط في عهد الحجاج، حتى إن بعض الناس لجؤوا إليه يشكون ظلم السلطة، وكان أنس يروي لهم ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن الحكام، ويدعو إلى الصبر، وهو ما يبين أن موقف العلماء من السلطة ليس مجرد معارضة دائمة أو تأييد دائم، بل يحتاج إلى فقه للواقع، وموازنة بين المفاسد والمصالح، مع بقاء كلمة الحق وعدم تبرير الظلم.
كيف تغيّر السلطة الإنسان؟:
ومن أبرز الدروس التي يقدمها التاريخ أن السلطة قد تغيّر الإنسان، فعبد الملك بن مروان كان قبل الخلافة معروفًا بالعبادة وكثرة الصلاة وقراءة القرآن، حتى إن سعيد بن المسيب كان يرى فيه مظهرًا من مظاهر الصلاح، لكن عندما وصل إلى الحكم تغيرت أحواله، وأصبح جزءًا من صراعات السلطة، ومن أبرز ذلك قتاله لعبد الله بن الزبير، وحصار مكة وضرب الكعبة بالمنجنيق، ثم قتل عبد الله بن الزبير وصلبه، وهذه الأحداث تبيّن خطورة السلطة عندما تنفصل عن التقوى والمحاسبة، ولهذا فإن العالم مطالب بأن يراقب الحاكم، لا أن يتغير بتغير الحاكم.
العلماء الذين قالوا كلمة الحق:
التاريخ الإسلامي مليء بعلماء لم يجعلوا انتماءهم المذهبي أو السياسي مانعًا من قول الحق، ومن ذلك موقف سعيد بن جبير الذي وقف في وجه الحجاج حتى قُتل، ومن ذلك الإمام أبو حنيفة الذي دعم ثورة زيد بن علي بن الحسين، ثم دعم لاحقًا ثورة محمد النفس الزكية من أبناء الحسن بن علي، واللافت في هذه المواقف أن أبا حنيفة لم ينطلق من حسابات: هؤلاء من جماعتنا وهؤلاء من جماعتهم، وإنما نظر إلى ما يراه حقًا وعدلًا.
وكذلك كان لكبار العلماء مواقف مستقلة عن السلطة، مع الإقرار بأن بعض العلماء كانت لهم علاقات بالحكام، مثل أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني مع هارون الرشيد، وابن شهاب الزهري مع هشام بن عبد الملك، وهذا يبين أن العلاقة الشخصية بالحاكم لا تعني بالضرورة التخلي عن العلم، وأن القضية الأساسية هي موقف العالم عندما يتعلق الأمر بالحق والباطل.
بين الموقف البريطاني من الضفة الغربية وغياب الموقف العربي:
من المفارقات المؤلمة في واقعنا اليوم أن بريطانيا، وهي الدولة التي أسهمت تاريخيًا في تأسيس الكيان الإسرائيلي وتمكينه، تتحرك اليوم في بعض الملفات المتعلقة بالضفة الغربية.
فقد أُقرّ في مجلس العموم البريطاني إجراء يمنع استيراد بعض المنتجات، ولا سيما الخضار، القادمة من مستوطنات الضفة الغربية غير الشرعية. وكان الرد الإسرائيلي على ذلك طرد القنصل البريطاني من القدس وإدانة الموقف البريطاني، وهنا يطرح الواقع سؤالًا مؤلمًا: إذا كانت بريطانيا تتحرك في هذا الاتجاه، فأين المواقف العربية؟ ولماذا لا نرى تحركًا مماثلًا تجاه ما يجري في غزة والضفة الغربية ولبنان وسائر المناطق التي تتعرض للعدوان والاحتلال؟ إذا فقد بعض الناس الالتزام الديني، فأين الشهامة العربية؟ وإذا غابت الاستقامة والمروءة، فأين المبادئ التي كانت تُنسب إلى العروبة؟
ماذا بقي من العروبة؟:
لقد كانت فكرة القومية العربية في أواخر القرن التاسع عشر مرتبطة، في جانب منها، بالرغبة في الاستقلال عن الدولة العثمانية وبناء كيان عربي مستقل، ثم جاءت مرحلة جمال عبد الناصر في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، فأُعطيت القومية العربية مضمونًا سياسيًا واجتماعيًا أوسع، ارتبط بوحدة العرب، ومواجهة إسرائيل، وتحقيق العدالة الاجتماعية والاستقلال.
أما اليوم، فعندما نتحدث عن “الحضن العربي” أو “الموقف العربي”، يطرح الواقع سؤالًا صعبًا: ماذا بقي من هذه المبادئ؟ هل بقيت وحدة الموقف؟ هل بقي الالتزام بالقضايا العربية؟ هل بقيت الشهامة والمروءة؟ أم أصبح النفط والثروة والمصالح الاقتصادية والسياسية هي العامل الأبرز في العلاقات العربية؟ إننا أمام واقع مؤلم يستدعي مراجعة حقيقية، لأن الأمة لا تستطيع أن تتخلى عن مبادئها ثم تتساءل عن أسباب ضعفها، ومن هنا نقول: يجب أن يتحرك من يستطيع التحرك لنصرة المظلومين ورفع الظلم عنهم. وإذا لم يتحرك بعض القوم، فإن سنة الله في الأمم أن يذهب بقوم ويأتي بآخرين، قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38].
لبنان بين حرية الكلام وغياب القرار:
ثم ننتقل إلى لبنان، حيث شهدنا جلسة لمجلس النواب، وكانت مليئة بالكلام والمواقف والتصريحات، وقد سبق أن قلت في أكثر من مناسبة، وعلى مسمع من كثيرين في الإعلام وغيره، إن البعض يقول إن المقاومة هي “مقاومة الآخرين على أرضنا”، في حين أن الواقع السياسي يطرح سؤالًا آخر: من يملك القرار في لبنان؟ لقد جاءتنا، بحسب ما نُقل، رسالة واضحة قبل جلسة مجلس النواب مفادها: تحدثوا كما تشاؤون، ولكن ممنوع إسقاط الحكومة.
وبالفعل، قيلت كلمات ومواقف مهمة من عدد من النواب، وكان لبعضها قيمة من حيث التعبير عن الرأي، لكن السؤال الأساسي هو: ما النتيجة؟ قد يتحدث النائب بحرية، وقد ينتقد ويعترض ويعبّر عن موقفه، ولكن ماذا ينتج عن هذا الكلام إذا لم يكن هناك قرار سياسي مستقل؟ وقد عبّر الرئيس سليم الحص، في وقت سابق، عن واقع سياسي في لبنان بقوله إن في لبنان كثيرًا من حرية الرأي، فالإنسان يستطيع أن يتكلم كثيرًا، ولكن الديمقراطية الفعلية قليلة.
وهنا تكمن المشكلة: حرية الكلام شيء، وامتلاك القرار شيء آخر.
قد يستطيع الإنسان أن يقول ما يريد، لكن إذا كان القرار النهائي لا يصدر من المؤسسات اللبنانية، فإن الكلام يبقى بلا أثر حقيقي.
أين يصدر القرار؟:
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: أين يُتخذ القرار اللبناني؟ هل يصدر من بعبدا؟ أم من السراي الحكومي؟ أم من المؤسسات الدستورية اللبنانية؟ أم أن القرار في بعض الملفات الأساسية مرتبط بتفاهمات وضغوط خارجية، ولا سيما بين الرياض وواشنطن؟ هذه القضية تستحق النقاش، لأن استقلال القرار الوطني لا يقاس فقط بحرية النواب في الكلام، وإنما بقدرة المؤسسات على اتخاذ القرار الذي تراه مناسبًا لمصلحة البلد، والحديث في هذه المسألة طويل، لكن الخلاصة أن لبنان يحتاج إلى قرار وطني مستقل، وإلى مؤسسات تستطيع أن تمارس دورها بعيدًا عن الضغوط الخارجي
رابط فيديو: خطبة الجمعة: 18-9-2026:
https://www.facebook.com/reel/950710224412275




