موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة: بتاريخ 30 جمادي الاولى 1447هـ الموافق له 21 تشرين الثاني 2025م: بعضٌ من قصة الاستقلال!

         بسم الله الرحمن الرحيم

موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:

بتاريخ 30 جمادي الاولى 1447هـ الموافق له 21 تشرين الثاني 2025م

بعضٌ من قصة الاستقلال!

‏‏لم يبدأ الاستقلال في 22 تشرين الثاني 1943 ولا في أول أيلول 1920 ولا من عهد المتصرفية 1860 أو القائمقاميتين 1840، بل لابد أن نعود إلى الجذور، هذه أمة واحدة، دولة واحدة، ينتقل خلالها المواطن من المغرب العربي إلى المدينة المنورة ومن اواسط آسيا وقلب أوروبا إلى مكة المكرمة، مرورا بالحاضرة الكبرى استانبول.

‏لقد كان المسلمون والمسيحيون يعيشون في كنف “الدولة الإسلامية” بكثير من الاطمئنان والمواطنة، يتخلل ذلك بعض التجاوزات، أو كثير منها، أو بعض الخلل في ميزان العدل وحقوق الإنسان من وقت لآخر يشمل الجميع ولا يستثني احداً.

‏نحن نقول بالفم الملآن: لو أن الدول المتعاقبة التي حكمت باسم الإسلام في تاريخنا، وضعت النصوص الإسلامية موضع التطبيق، فاقامت العدل وحكمت بالشريعة السمحة لما وصلت أوضاعنا لما وصلت إليه، تبدأ أواخر القصة من حركة التتريك وجمعية الاتحاد والترقي والإنحراف نحو الفكر القومي الطوراني، حيث نسي الأتراك أو تناسوْا، أو انهم تأثروا بالفكر الغربي القومي الصاعد وقتها، في ظل توحيد الإمارات الالمانية تحت لواء بسمارك 1871م، والإمارات الإيطالية تحت لواء غاريبالدي 1861م، وغير ذلك، أراد بعض الاتراك أن يجعلوا القومية التركية مادة لنهضة تركيا الحديثة، وقد غاب عنهم أن قيمتهم التاريخية قد أوجدها الإسلام، وإنهم من دون الإسلام لم يكونوا قادرين أن يحكموا هذه البلاد الشاسعة، حيث ارتضى بهم المسلمون في أقطار الأرض لأنهم رفعوا لواء الإسلام وقدموا انفسهم على انهم امتداد للخلافة الإسلامية، إن الدعوة القومية الطورانية احدثت ردة فعل عربية فقامت فكرة الدولة العربية المستقلة التي رفع لواءها الشريف حسين من الجزيرة العربية عام 1916، والذي وقع في الخطيئة الكبرى، حيث وثق بوعود الإمبراطورية البريطانية التي وعدته بدولة عربية تضم دول الهلال الخصيب وما حولها، وحارب العرب تحت لواء الإنكليز، وتمسك الاتراك بطورانيتهم الظالمة المنحرفة فتقسمت البلاد، وكانت سايكس – بيكو في العام 1917، وفُرضت الخريطة الجديدة وتحولت الدولة العربية الكبرى إلى دولة شرق الأردن، حيث سخر منها الساخرون ويقولون مثلا، إن هذا الانكسار في خريطة الأردن هو عطسة تشرشل، حيث كان يرسم الخريطة، وعندما داهمته “العطسة” انكسر الخط الذي كان يرسمه.

‏وفرض الفرنسي نفسه على سوريا بعد معركة ميسلون البطولية الاستشهادية في 24 تموز 1920، حيث استشهد وزير الدفاع يوسف العظمة وثلة من المؤمنين المجاهدين، وألغيت المملكة العربية السورية وطرد الملك فيصل، ابن الشريف حسين وتلاشت كل الأحلام التي كانت كبيرة فتصاغرت، ثم جُعل ملكاً على العراق لفترة قصيرة، اثر ذلك ‏تمزقت فكرة الدولة العربية الواحدة، ثم جاءت الثورات العربية المراهقه لتدمر الاقتصاد بفكرة التأميم والاشتراكية المنقوصة والشعارات الكبيرة التي لا يرافقها أي عمل جدي.

في ظل كل هذه التطورات الدرامية أصبح لبنان حاجة لأهله، حاجة ماسة تمثل حرية الرأي وتعايش الطوائف ونمو الثقافة.

‏اذن في ظل فشل المشاريع العربية والإسلامية المتلاحقة، أصبحت الفكرة اللبنانية براّقة ناصعة، خاصة بعد أن تم إلغاء فكرة الوطن الماروني القومي، الذي رفع لواءه البطريرك عريضة  1932 – 1955 والمطران مبارك مطران بيروت 1939 – 1952، ولكن الفاتيكان من جهة، والرأي العام المسيحي اللبناني من جهة أخرى، رفض هذه الفكرة العنصرية وانسجم مع فكرة دولة لبنان الكبير ودولة التعايش ووطن الأديان، كما لمس المسيحيون ان شعار امنا الحنون لم يكن الا وهماً، حيث انحصرت هذه الفكرة في الكتلة الوطنية التي تراجع حجم تمثيلها بشكل واضح.

‏إنما تفاصيل الاستقلال ليست كما تروى، لقد كانت فرنسا التي تحتلنا دولة ضعيفة يحتلها الألمان، ولقد تدخل البريطانيون بشخص الجنرال سبيرز ومنح الاستقلال بشكل او بآخر في ظروف مذكورة في كتب التاريخ، يتم في كثير من الاحيان تضخيمها واعطاؤها ابعاداً بطولية.

‏باختصار إن فشل المشاريع العربية والإسلامية من جهة وفشل المشروع القومي الماروني، إذا صح التعبير، جعل لبنان حاجة ماسة لأهله ومواطنيه.

ولا شك أن المقاومة، فيما بعد، أعطت لبنان بعدا حضاريا مميزا ودورا إقليميا هاما، وينبغي أن يعترف بذلك اللبنانيون جميعا بكافة اطيافهم، وأن المرحلة القاسية الضاغطة، التي نعيشها اليوم، تحتاج إلى رجال يقفون في وجه الضغوط الأمريكية الصهيونية الاستثنائية، ولا شك أن موقف رئيس الجمهورية من الذين “يبخّون” السم في اميركا ضد لبنان، وموقف قائد الجيش بإلغاء زيارته إلى أميركا، هما موقفان يمثلان فكرة الاستقلال ويرسخان مبدأ السيادة، وكذلك زيارتهما اليوم ثكنة بنوا بركات في صور والكلام الذي وجهاه للعسكريين، نتمنى أن يستطيعا الاستمرار في وجه هذه الهجمة الشرسة التي تستهدف لبنان كله بكل مقوماته وأسسه التاريخية، ان اسرائيل ستبقى عدواً، ويجب على كافة النصوص الرسمية ان تصر على ذلك، سواء غضب الاميركي او رضي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

‏الغارة على مخيم عين الحلوة:

لم يكن الموقف اللبناني إزاء الغارة الصهيونية على ملعب كرة القدم في مخيم عين الحلوة، موازيا للابعاد التي تعنيها هذه الغارة اللئيمة، إن هذه الغارة تشبه في بعض أبعادها الغارات التي شنها العدو على قطر في 9‏/9‏/2025، والتي تسببت في تغيير بعض مواقف الدول العربية، يفترض أن يتم استثمار هذه الغارة سياسيا بكل الأبعاد لأنها استهدفت فتيانا دون العشرين، دون أية شبهة عسكرية أو تدريبية أو غير ذلك.

‏قد يقول البعض ان حجم هذه الغارة يتضاءل في ظل غارات يومية على الجنوب، وكذلك على اهلنا في غزة، رغم وقف إطلاق النار، ولكن دلالات هذه الغارة تشكل ورقة سياسية رابحة في المحافل الدولية باعتبار الكذب الإسرائيلي الواضح، حيث تؤكد الصور والشهود والوقائع انها غارة على فتيان في ملعب كرة قدم وليس اي شيء آخر، وان بعض الاعلام المحلي والعربي يقع في خطيئة كبيرة عندما يصدق الرواية الاسرائيلية الكاذبة، او يساوي بينها وبين الرواية الحقيقية التي يرويها اهل المخيم وأهالي الشهداء والجرحى.

رابط فيديو: خطبة الجمعة: 21-11-2025:

https://www.facebook.com/reel/1926433931288588

مقالات ذات صلة