موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة: بتاريخ 7 جمادي الآخرة 1447هـ الموافق له 28 تشرين الثاني 2025م كلمة سواء
بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 7 جمادي الآخرة 1447هـ الموافق له 28 تشرين الثاني 2025م
كلمة سواء
تطرح زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان من جديد الأسئلة التاريخية بين العالمين الإسلامي والمسيحي، وبين الثقافتين الإسلامية والمسيحية وكل ما يترتب عن ذلك من فتح الملفات القديمة الجديدة، منها ما هو في التاريخ ومنها ما هو معاصر.
وإذا أردنا أن نختصر، فاننا نرى أن الإيجابيات في هذه الزيارة أكثر من السلبيات المفترضة، وأن العالم الإسلامي بشكل عام يمكن أن يستفيد من دور الفاتيكان بشكل عام، كما يمكن أن يعتمد على القيم التي ينشرها، ويؤكد عليها ليواجه بها الدول الكبرى التي تعتنق المسيحية شكلا ولا تنتمي إلى الأخلاق والقيم المسيحية التي تؤكد عليها حاضرة الفاتيكان.
كما نستحضر خلال هذا الامر الآية الكريمة (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)) (آل عمران)، وهي قد نزلت بعد حوار بين رسول الله ﷺ ونصارى نجران، ونزلت اثر ذلك سورة آل عمران التي تتحدث باسهاب عن سيدنا المسيح عليه السلام وامه عليها السلام، وما يرتبط بذلك من عقائد اسلامية.
أولا في التاريخ: لا شك أن دور الفاتيكان في التاريخ تجاه العالم الإسلامي كان سلبيا جدا، خاصة إبان الحروب الصليبية، حيث كان أهم المحرضين عليها هو البابا اوربان الثاني 1095 واعتبرها حجا مسلحا يمنح غفرانا كاملا للخطايا، كما كانت الحملة الأولى بقيادة بطرس الناسك الذي جال في أوروبا على حماره يحرض الناس على “تحرير” بيت القدس من المسلمين، ثم في عالمنا المعاصر بدأ التغيير في المجمع المسكوني (اي العالمي) الثاني عام 1965 حيث نصت الفقرة الثالثة إلى أن الكنيسة تنظر بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الواحد، وصولا إلى العام 2000، حيث طلب البابا يوحنا بولس الثاني الصفح من الله عن الخطايا والعنف، الذي ارتكبها أبناء الكنيسة عبر التاريخ بما في ذلك فظائع الحروب الصليبية، ثم رفض الباب فرنسيس أي تبرير للعنف وأكد أن الحروب الصليبية كانت خيانة لرسالة الإنجيل السلمية.
ولعل من اهم المحطات استقالة البابا بنديكتوس السادس عشر عام 2013، اثر تراكمات منها: استشهاد البابا بنص لحاكم بيزنطي (مانويل الثاني باليولوج)، في محاضرة له في ريغنسبورغ في المانيا عام 2006، وجه فيها اساءة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والى الاسلام مما اضطر الفاتيكان الى الاعتذار، مما يؤكد ان سياسة الفاتيكان الرئيسية ترتكز على حسن العلاقة مع المسلمين.
ولعل اهم ما حصل، هو الاجتماع التاريخي بين شيخ الازهر والبابا في الامارات عام 2019، وصدرت عنه الوثيقة المسماة (الاخوة الانسانية)، وتم التركيز على سيدنا ابراهيم كجامع مشترك، والذي حوله بعد ذلك الصهاينة والمتصهينون الى الديانة الابراهيمية المفترضة، التي تعني عمليا الخضوع للهيمنة الصهيونية على المنطقة.
كما لا بد ان نذكر زيارته للنجف ودخوله الى الازقة الضيقة للقاء المرجع السيستاني، حيث لم يطلب ان يكون اللقاء في قصر رئاسي او فندق فاره او غير ذلك.
الموقف من الصهيونية: كما أنه على صعيد الموقف من الصهيونية فان الفاتيكان لم ينشيء علاقات مع الكيان الصهيوني ولم يعترف “بالدولة الصهيونية” حتى العام 1993، اي بعد اتفاق اوسلو، حيث اعتبرت دولة الفاتيكان أن من “يدعي” تمثيل الفلسطينيين، اعترف باسرائيل وأقام معها علاقات، فهل نكون ملكيين اكثر من الملك؟ قلنا وقتها في الرد على ذلك في ندوة عقدت في صيدا بحضور البطريرك بشارة الراعي، وكان وقتها مطران جبيل، ليس على الفاتيكان ان يكون مثل ستالين الذي قال في محادثات يالطا، بعد الحرب العالمية الثانية، عندما اقترح بعضهم، ان يحضر مندوب عن البابا، قال: كم دبابة يملك البابا حتى يُمثل معنا؟ قلنا ان قوة الفاتيكان في القوة الروحية المعنوية، وليس بالجيوش، وكذلك ان قوة الموقف الفلسطيني في الشعب المعارض لاوسلو، كما تبين لاحقاً، وليس بسلطة لا تمثل الا القليل.
لقد كان ثمة نقطة غير ايجابية، عندما اعلن البابا بولس السادس عام 1965 تبرئة اليهود من دم المسيح، وكان ذلك (على الارجح) بتأثير الرئيس الاميركي كندي، حيث اراد ان توجه كل العداوة للاتحاد السوفياتي وقتها، وكان تبرير الفاتيكان، ان الامر كما يقول القرآن الكريم (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ …(18)) (فاطر)، فان كان بعض اليهود وشوْا بسيدنا المسيح وتسببوا بصلبه، حسب الرواية المسيحية، فما ذنب بقية اليهود؟.
كما ان الفاتيكان سارع للاعتراف بالدولة الفلسطينية المفترضة، ووافق بعد ذلك على ان تكون مراقبا في الامم المتحدة، وموقفه من حرب الابادة كان واضحاً، وان لم يكن ليس مرتفعاً بالقدر الذي نرجوه، كما انه ادان الحرب “الصليبية” على العراق عام 2003.
لقد كان بعض من يدعّون تمثيل الموارنة في لبنان يعقدون الاتفاقات مع الصهاينة، ويشاركون في الاجتياح المدمر ويستعينون بالكيان الصهيوني ضد ابناء بلدهم، فيما الفاتيكان كان يرفض العلاقات مع هذا الكيان العنصري.
كما رُفض سابقا موقف البطريرك عريضة الذي كان يتحدث علنا عن لبنان كوطن قومي للموارنة في موازة الدعوة الصهيونية لاعتبار فلسطين وطناً قومياً لليهود، كان ذلك قبل اعلان استقلال لبنان، وكذلك مطران بيروت اغناطيوس مبارك الذي قدم استقالته من رئاسة ابرشية بيروت اثر تمسكه، على ما يبدو، بطرح الوطن القومي للموارنة كان ذلك في العام 1952، وتؤكد المصادر المطلعة ان الفاتيكان كان خلف استقالة البطريرك صفير بسبب تحيزه في السياسة اللبنانية، وقبل ذلك استقال البطريرك خريش لانه لم يتحمل علاقة بعض الموارنة باسرائيل انسجاماً مع الموقف التاريخي المسيحي.
المشكلة عندنا اننا لا نستطيع ان نحمل الفاتيكان اكثر مما يستطيع اداءه ، ونرى ان المشكلة في المسلمين انفسهم ، حيث انه لا يوجد اليوم على سطح الارض من يقوم بالدور الاسلامي للامة الاسلامية الذي يتضمن الدعوة الى الاسلام ونشر العدل بين الناس واقامة الشريعة السمحة، وان اكثر القيادات الاسلامية الدينية في العالم الاسلامي خاضعة بشكل او بآخر للسلطات السياسية، فيما يتمتع الفاتيكان باستقلالية كبيرة نسبيا ازاء السلطات الزمنية ، كما يسمونها.
ان الامة الاسلامية اليوم لا تشبه النصوص القرآنية والنبوية، كما لا تشبه الفترات التي كان يقوم بها المسلمون بدور الشاهد على الامم، كما امر تعالى (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا … (143)) (البقرة).
اننا نعتبر ان قوة المنطق الاسلامي، قوة النصوص الاسلامية، سمّو النص القرآني الذي يشهد الجميع بقوته وتماسكه واستحالة تعرضه للتبديل، لا يقابله قوة سياسية او عملية تحمله الى العالم لتكون شاهداً على سموه وتفوقه على كافة النصوص.
ومن هنا حتى يتغير حال الامة الاسلامية، علينا ان نتعامل مع الايجابيات الواضحة التي يعلنها ويمارسها الفاتيكان، ومن هنا ترحيبنا بزيارة البابا لاوون الرابع عشر الى لبنان.
رابط فيديو: خطبة الجمعة: 28-11-2025:
https://www.facebook.com/reel/1212952074063718




