موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة: بتاريخ 6 رجب 1447هـ الموافق له 26 كانون الاول 2025م: لا أخشى على عقيدة المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 6 رجب 1447هـ الموافق له 26 كانون الاول 2025م
لا أخشى على عقيدة المسلمين
في الجدل الدائر المتجدد: هل يجوز للمسلم أن يحتفل بميلاد السيد المسيح عليه السلام حسب ما هو سائد، فيرفع الزينة ويُظهر السرور، ويتبادل التهاني؟ نقول: الجواب يحتاج إلى تفصيل:
أولا: لا نخشى على عقيدة المسلمين إذا شاركوا شركاءهم في الوطن من باب الحرص على التعايش وتبادل المصالح والبر بالجيران والزملاء، لا يفترض أن نخشى على عقيدة شبابنا وفتياننا، فلن يتأثر أحد بتلك المناسبات فتختلط عليه الأمور، فسيدنا عيسى المسيح عليه السلام نبي من انبياء اولي العزم مكرم في القرآن كما لم يكرم في كافة الأناجيل، وامه صدّيقة أكرمها الله بأعظم النصوص وأرفعها، بل أن النص الذي ورد في سورة مريم وكذلك في سورة آل عمران يورد معجزات لم تُذكر في الأناجيل، فعلى سبيل المثال، لقد ورد في سرد قصة ولادة سيدنا عيسى عليه السلام في سورة مريم (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ … من الآية 16 حتى الآية 29) ثلاثة عشر مرة حرف (ف)، حرف العطف الذي يعني تسارع الأحداث بتراتبيته، مما يجعلنا نرجح اجتهادياً ألا تتجاوز مدة الحمل ساعات أو أياماً أو شهرا على أبعد تقدير، فيما يحتفل اخواننا بعيد البشارة، أي بداية الحمل في 25 أيار ثم يحتفلون بالميلاد في 25 كانون الأول، أي بمرور تسعة أشهر كاملة، مما يجعل معجزة الولادة في الرواية الإسلامية أكثر وقعا وابعد تأثيراً.
كما لم يرد على سبيل المثال أيضا لا الحصر، في الاناجيل، أن المسيح عليه السلام تكلم في المهد وهي معجزة عظمى، قطعت ألسنة المتطاولين على عرض السيدة مريم عليها السلام.
اما المائدة، (مائدة سيدنا عيسى)، وسميت على اسمها سورة كاملة من طوال السور، فقط أكدت أن العشاء الأخير كان مائدة حقيقية نزلت من السماء عليها أنواع الأسماك، فيما هي في الرواية المعتمدة مسيحيا أنها مجرد خبز وخمر، ولقد اتُخذت السمكة شعارا للمسيحيين لعقود أو لقرون قبل اعتماد الصليب الذي لم يعتمد على ما يبدو إلا بعد مجمع نيقية عام 325 ميلادية، بعد أن تم رفض عقيدة أريوس (الاريسيين) اللذين كانوا يؤكدون أن المسيح عليه السلام بشر، وليس الهاً، ولقد تمت فيما بعد “ابادتهم” جميعا، ثم جاء مجمع افسوس عام 431 ميلادية، ليلغي بدوره مذهب نسطور الذي كان يمنع تسمية السيدة مريم (بأم الله). ثم جاء مجمع خلقيدونيا ليعترف بطبيعتين كاملتين ، الهية وانسانية في شخص المسيح عليه السلام، بغير اختلاط او امتزاج، مما وسع الهوة مع عقيدة المسلمين والارثوذكس في وقت واحد، وكما نرى، كان هذا البون بسبب قرارات الكهنة وليس امراً مرتبطاً بالنص الانجيلي التاريخي.
هذه امثلة وما يوجد في عقيدتنا من تعظيم لسيدنا المسيح عليه السلام ولامه الصدّيقة، لا يلخص في خطبة واحدة او مقال واحد، لنصل الى موضوع التقليد:
التقليد ليس نابعاً عن ضعف العقيدة
بل على انبهار بالغرب
السؤال الذي يطرح نفسه، الغرب الذي يصدّر لنا زينة الميلاد ويستثمر من خلالها المليارات، هل هو غرب مسيحي، أميركا وأوروبا بشكل خاص، كم يعني لهم سيدنا المسيح عليه السلام والمحبة والتسامح والتسامى عن الصغائر والطهارة من الشهوات كم يعني لهم؟ إنه لا يعني لهم شيئا، انهم مسيحيون بالاسم فقط، إلا أنها فقط (بزنس)، انه استثمار تجاري محض، موسم تنفق فيه الأموال الباهظة وتخترع فيه أنواع من الهدايا، (نحن كذلك بعض المواسم كشهر رمضان الكريم والحج المبارك، يحيطه كثير من الانتفاع التجاري والاستثمار المالي).
المهم أن تقليد مجتمعاتنا التي يظهر في الأعياد المسيحية، هو ضعف أمام الغرب، وليس ضعفا في العقيدة، ولقد تجاوزنا المرحلة الأصعب، لقد كان الانبهار بالغرب والشعور بالدونية تجاهه أكبر بكثير في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين حتى أواسطه، حيث كان طلابنا الذين يطلبون العلم في أوروبا وأميركا، على سبيل المثال، وكافة من يزورهما، يعود منبهراً وكأنه يربط التقدم العلمي والتقني بالتقدم في كافة المجالات الدينية والمعنوية والحضارية، وكان المثال واضحا فيما كتبه (طه حسين) عند عودته من فرنسا وقصة يحيى حقي، (قنديل أبو هاشم)، وكلام الإمام محمد عبده (رأيت في الغرب الإسلام ولم أر مسلمين) … إلخ، أما الآن فالجاليات الإسلامية في أوروبا وأميركا تتمسك بدينها وتعلن انتماءها وشعائرها، وأصبحت تميز بين التقدم العلمي التقني وحاجتنا إليه، وبين الانتماء الديني، بل أصبحت جالياتنا الإسلامية عبئاً على تلك المجتمعات، حسب روايتهم، فأصبحوا يعلنون امتعاضهم من الشعائر: المآذن، والتجمعات التي تظهر هويتها الإسلامية.
القصة هنا عبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر، وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ؛ قلنا: يا رسول الله؛ اليهودُ والنَّصارى؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: فَمَن اذن.
عندما كان المسلمون متقدمين حضاريا، وكان الغرب يقلدهم ويتسمى بأسمائهم، فليعلم الجميع على سبيل المثال لا الحصر:
١- إن الزي الذي يرتديه المتخرجون في كل جامعات العالم اقُتبس من زي التخرج في مساجد الأندلس، حيث كان المتخرج يرتدي عباءة وتوضع نسخة من المصحف على رأسه، من أجل ذلك فان قبعة المتخرج مربعة وليست مستديرة.
٢- إن اسم قواعد اللغة grammar مستنبط من متن الآجرومية، وهو المتن الذي كان يحفظه الطلاب في الأندلس ليتقنوا قواعد اللغة العربية.
٣- إن اسم قارة أميركا، مشتق من اسم (أميركو فيسبوتشي)، الذي أكد أن جزائر الهند الغربية التي اكتشفها كولومبوس “كولومبيا” الآن، هي أرض جديدة، فسميت باسمه، سألنا الطليان، ماذا يعني اسم أميركو فقالوا: يعني أمير كما هو في اللغة العربية، كانوا يتفاخرون بتقليد اسمائنا.
٤- إن اسم أكبر ولاية في الولايات المتحدة وأغناها (كاليفورنيا) مشتق من لقب “خليفة” الحاكم في الاسلام، وجاء من اللغة الاسبانية ، حيث كان الاسبان يحكمون جنوب اميركا الشمالية.
٥- إن اسم أهم ساحة في لندن “ترافلغار سكوير” هو ترجمة لاسم الطرف الأغر، الاسم الذي أطلقه العرب على منطقة في المحيط ما بين اسبانيا وفرنسا، حيث جرت معركة بحرية تاريخية بين الانكليز والفرنسيين.
نورد هذه الأمثلة لنؤكد أن الغرب كان يقلدنا عندما كنا أمة قوية تصنع وتزرع وتنتصر، أما الآن، فنحن نقلدهم، لأننا نحتاج في كل لحظة إلى إنتاجهم في الطعام والشراب والملبس والسلاح وفي كل شيئ.
بعد كل هذا…
هل مجاراة المسيحيين في أعيادهم ومناسباتهم خطيئةأم خطأ؟ .
نرجح أنه خطأ نابع عن ضعف الانتماء الحضاري، وليس نابعا عن ضعف في العقيدة أو نقص في الدين، وليس خطيئة او كفراً كما يذهب بعض المتشددين.
وعلى هذا نؤكد على ثوابت جازمة:
- ان العيش المشترك وحسن التعامل مع شركاء الوطن، واجب ديني وأخلاقي، ولكنه لا يُلخص بتبادل التهاني في الاعياد، بل الموضوع اوسع من ذلك واشمل، حيث يجب ان يشمل الحرص على مصلحة الوطن بكافة ابنائه، والحؤول دون ظلم فريق للآخر.
- اننا مدعوون الى ان ندعو الآخرين الى الاسلام بالحكمة والموعظة الحسنة (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)) (العنكبوت)، أما الغلظة والشدة فعلى المحاربين والمعتدين والمحتلين وليس على شركاء الوطن.
- ان تخلف المسلمين الحضاري والمدني لا ينسحب على تقدمهم وعلو شأنهم في العقيدة الصحيحة والدين السليم الذي لم يبّدل ولم يحرف.
- اننا ندعو الى اجتهاد جديد نزاوج فيه بين قوة العقيدة ووضوحها وبين حرصنا الكامل على حقوق الآخرين وحريتهم العبادية.
- ان المسلمين جميعاً مدعوون للقيام بواجبهم الحضاري ونشر العقيدة الصحيحة، وعلى رأسهم الحكام والعلماء والمثقفون، حيث يبدأ اصلاح الاخطاء كلها من الدعوة الى الاسلام وتوحيد الصف ووضوح الرؤية.
- رابط فيديو: خطبة الجمعة: 26-12-2025:
- https://www.facebook.com/reel/2034558473989536




