الصدق أساس الدعوة ومفتاح الثبات في المواقف: الشعارات السياسية الكاذبة والاعلام الكاذب
بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 26 ذو الحجة 1447هـ الموافق له 12 حزيران 2026م
الصدق أساس الدعوة ومفتاح الثبات في المواقف
الشعارات السياسية الكاذبة والاعلام الكاذب
الصدق الذي مهّد لقيام الدعوة:
نستحضر اليوم لحظةً من أعظم لحظات التاريخ الإسلامي، يوم وقف رسول الله ﷺ على الصفا يدعو قومه جهاراً لأول مرة بعد سنوات من الدعوة السرية، فقد أوحي إليه وهو في الأربعين من عمره، ثم أمضى ثلاث سنوات يدعو سراً حتى نزل قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214)، فجمع رسول الله ﷺ بطون قريش وناداهم قائلاً: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟» فقالوا جميعاً: ما جربنا عليك كذباً قط.
لقد هيّأ النبي ﷺ لهذه اللحظة طوال حياته، ولذلك ذكّرهم الله تعالى بقوله: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (يونس: 16)، فشهد له أعداؤه قبل أصحابه بالصدق والأمانة، ولكن حين دعاهم إلى ما خالف أهواءهم وعاداتهم، رفض كثير منهم دعوته رغم يقينهم بصدقه… ومن هنا نعلم أن معرفة الحق شيء، واتباعه شيء آخر.
شهادة الأعداء بصدق النبي ﷺ:
ومن الشواهد العظيمة على ذلك ما جرى بين هرقل وأبي سفيان قبل إسلامه، فقد سأل هرقل أبا سفيان عن محمد ﷺ، وكان يومئذٍ من أشد الناس عداوة له، فقال له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فأجاب: ما جربنا عليه كذباً قط، فاستنتج هرقل أن من ترك الكذب على الناس أربعين عاماً لا يمكن أن يكذب على الله، وكان ذلك من الدلائل التي قادته إلى الاقتناع بصدق الرسالة، وقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب الذين عرفوا النبي ﷺ فقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 146]، وقال سبحانه: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: 113-114)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ (آل عمران: 199).
الصدق أساس كل دعوة ناجحة:
إن الدرس الكبير من هذه الوقائع أن من أراد أن يدعو إلى الله أو إلى قضية عادلة، فعليه أن يبني مكانته على الصدق، فالناس قد تختلف معك في الرأي، لكنها لا تستطيع أن تتجاهل أثر الصدق في القول والعمل، أما الكذب فإنه يهدم الثقة، ويجعل صاحبه يفقد مصداقيته مهما امتلك من وسائل الإعلام أو النفوذ أو المال.
الموقف السياسي ومخاطر الثقة بالعدو:
وفي واقعنا المعاصر تتكرر الدعوات التي تزعم أن التخلي عن عناصر القوة والمقاومة هو الطريق إلى الأمن والاستقرار، غير أن التجارب التاريخية والوقائع الميدانية تثبت أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تكن مرتبطة دائماً بوجود سلاح أو مقاومة، بل إن العدوان استمر في كثير من المراحل والأماكن حتى عندما كانت الشعوب والدول في أضعف حالاتها، ومن هنا فإن الادعاء بأن الأمن يتحقق بمجرد نزع أسباب القوة هو ادعاء يحتاج إلى مراجعة واقعية وسياسية دقيقة.
ان الكذبة الكبرى التي يتم الترويج لها، اننا اذا سلمنا السلاح سننعم بالامن والاستقرار، ولو نظروا خلفهم قليلاً لوجدوا العكس، من مجزرة حولا عام 1948 الى تدمير 13 طائرة في بيروت 1968 الى مجزرة صبرا وشاتيلا … الخ، هذا عدو مجرم عنصري، عقيدته مبنية على التوسع والغاء الآخرين ، فتوقفوا عن الكذب.
كما أن ما يجري في المنطقة يؤكد أن السياسات القائمة على الوعود غير المضمونة، أو على الثقة المطلقة بالعدو، كثيراً ما تصطدم بالوقائع التي تكشف استمرار الأطماع والاعتداءات.
ولذلك فإن بناء الدولة الحقيقية لا يكون بالشعارات، بل ببناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، وإثبات القدرة على حماية الأرض والناس والسيادة، وتحقيق العدالة والاستقلال في القرار الوطني.
القرآن يكشف طبيعة الصراع:
لقد تحدث القرآن الكريم كثيراً عن مواقف أهل الكتاب الذين عرفوا الحق ثم أعرضوا عنه، فقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (البقرة: 109).
وهذه الآيات تؤكد ضرورة الوعي بطبيعة التحديات التي تواجه الأمة، وعدم الانخداع بالشعارات أو الوعود التي تخالف الحقائق الثابتة والتجارب المتكررة.
التثبت من الأخبار وعدم الانسياق وراء الشائعات:
ومن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم سيل الأخبار والشائعات التي تنتشر بسرعة كبيرة، وقد أرشدنا القرآن إلى المنهج الصحيح فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (الحجرات: 6)، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 83)، فعلى المؤمن أن يتثبت قبل نشر الأخبار، وأن يزنها بميزان العقل والشرع، وألا يكون أداةً في ترويج الإشاعات أو الأكاذيب.
المقاومة بين الاستهداف والتضليل الإعلامي:
ومن جملة الوقائع التي شهدناها في الأسبوع الماضي ما بدأ بخلافٍ على موقف سيارة في منطقة عائشة بكّار، ثم تطوّر إلى اشتباك، فجُعل ذلك ذريعةً لاقتحام مكتب الجماعة الإسلامية ومصادرة ما فيه من سلاح.
ومن الواضح أن الأمر لم يكن مجرد معالجةٍ لحادثٍ عابر، بل حمل في طياته رسائل سياسية مقصودة، يراد منها استهداف فئةٍ تناصر المقاومة، وهي الفئة التي سبق أن استُهدف مركزها في صيدا، كما أُخلي مركزها في بيروت.
وقد بدا واضحًا أن السلاح المصادَر لم يُنظر إليه إلا من زاوية كونه سلاحًا مرتبطًا بالمقاومة أو مساندًا لها أو جزءًا من مشروعها، بغضّ النظر عن التفاصيل الأخرى.
واللافت أن المعتدي أو المتسبب المباشر في الحادثة لم تُتخذ بحقه الإجراءات نفسها، ولم تُصادر أدواته أو يُحاسب كما ينبغي، الأمر الذي يجعل الإنسان يدرك بسهولة أن في المسألة رسائل تتجاوز ظاهر الحادثة، وأن بعضها موجّه إلى العدو الإسرائيلي والإدارة الأمريكية طلبًا للرضا أو الاستحسان، الله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة: 120)، ونؤكد دائمًا أن القرآن الكريم حين يذكر اليهود والنصارى في مثل هذه المواضع لا يعمم الحكم على الجميع، فقد استثنى أصنافًا من أهل الكتاب أثنى عليهم ومدح إيمانهم واستقامتهم، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (آل عمران: 199)، وقال سبحانه: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ﴾ (المائدة: 82).
غير أن هناك تيارات وقوى تاريخية وسياسية تلاقت مصالحها مع المشروع الصهيوني، وهي التي يأتي التحذير منها في كثير من المواطن، فليت الذين يتلون هذه الآيات يقرؤونها بتدبر، وليتهم إذا فهموا معانيها عملوا بمقتضاها.
حسبنا الله ونعم الوكيل…
رابط فيديو: خطبة الجمعة: 12-6-2026:
https://www.facebook.com/reel/827880256859273




