التقويم الهجري بين الهوية الإسلامية والتحولات السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم
موقف سياسي أسبوعي: خطبة الجمعة:
بتاريخ 4 محرم 1447هـ الموافق له 19 حزيران 2026م
التقويم الهجري بين الهوية الإسلامية والتحولات السياسية
التقويم الهجري… تقويمٌ اختاره الله لعباده:
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36]، تؤكد هذه الآية الكريمة أن التقويم الذي ارتضاه الله لعباده هو التقويم القمري، إذ إن الأشهر الحرم لا تكون إلا في السنة القمرية، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.. وقد كانت هذه الأشهر، حتى في الجاهلية، موسماً لوقف القتال وحقن الدماء، فأقرها الإسلام لما فيها من تحقيق مصلحة الناس، وإتاحة الفرصة للأمن والاستقرار، ولا يعني هذا إهمال التقويم الشمسي، فهو الذي ترتبط به مواقيت الصلوات، وحساب طول النهار وقصره، وحركة الشمس في الفصول، إلا أن العبادات الكبرى كالصيام والحج، وسائر المناسبات الإسلامية، ترتبط جميعها بالتقويم الهجري.
اعتماد التاريخ الهجري… رؤية حضارية:
لم يبدأ المسلمون التأريخ بالهجرة منذ وقوعها، وإنما في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما رأى ضرورة اعتماد تاريخ خاص بالأمة الإسلامية، بعد أن كان الناس يؤرخون بالأحداث الكبرى، أو بالتقويمين الرومي والفارسي، وقد استشار عمر كبار الصحابة، فتعددت الآراء، فقيل: يكون التأريخ من مولد النبي ﷺ، وقيل: من بعثته، وقيل: من وفاته.
لكن الرأي الذي استقر عليه المسلمون، وكان لصاحبه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أثر بارز، هو أن تكون الهجرة النبوية بداية التاريخ الإسلامي؛ لأنها كانت نقطة التحول الكبرى في مسيرة الدعوة، إذ انتقل الإسلام بها من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة، ويشهد لذلك قول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]، لقد كانت الهجرة إعلاناً لبداية مرحلة جديدة من النصر والتمكين، ولذلك كانت جديرة بأن تكون مبدأ التاريخ الإسلامي، ومع أن الهجرة وقعت في شهر ربيع الأول، فقد جُعل ابتداء السنة في شهر المحرم، لأنه بداية العام الهجري، فأصبح الاحتفال برأس السنة الهجرية تذكيراً بالهجرة وما تمثله من معاني التضحية والصبر والثبات.
دلالات أسماء الشهور:
إن أسماء الشهور العربية ارتبطت عند تسميتها بالأحوال التي كانت سائدة آنذاك، ثم بقيت الأسماء وإن تغيرت الفصول بسبب دوران السنة القمرية على جميع أشهر السنة، فمحرم شهر التحريم، وصفر لأن الديار كانت تصفر من أهلها، وربيع حين وافق الربيع، وجمادى حين وافقت الشتاء، ورجب لأنه شهر معظم منفرد عن الأشهر الحرم الثلاثة المتتالية، وشعبان لتشعب القبائل في أسفارها، ورمضان لشدة الحر عند تسميته، وشوال لأن الإبل تشول بأذنابها، وذو القعدة لقعود الناس عن القتال، وذو الحجة لأنه شهر الحج، وهذه التسميات أصبحت أعلاماً على الشهور، وإن تغيرت الظروف المناخية مع مرور الزمن.
الهزيمة ليست قدراً… والنصر لا يقاس بالمظاهر:
إن كثيراً من الأصوات التي تملأ الساحة اليوم تسارع إلى إعلان الهزيمة كلما اشتدت المحنة، بينما يعلمنا القرآن الكريم أن العبرة ليست بما يبدو في أول الطريق، وإنما بما تنتهي إليه السنن الإلهية.
لقد أنفقت الولايات المتحدة وإسرائيل أموالاً طائلة، واستخدمتا أحدث ما تملكان من وسائل القوة العسكرية والسياسية والإعلامية، ومع ذلك فإن النتائج جاءت مخالفة لما خططتا له في أكثر من ساحة، ومن يتابع حتى ما تنشره الصحافة الإسرائيلية يلاحظ حجم القلق المتزايد من تراجع الدعم الأمريكي المطلق، ومن تقديم الولايات المتحدة مصالحها الخاصة عندما تتعارض مع مصالح إسرائيل، وهذا ليس أمراً جديداً، بل هو من طبيعة السياسة الدولية القائمة على المصالح لا على العواطف أو التحالفات الدائمة.
وقد صدقت الكلمة المشهورة المنسوبة إلى وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر: “أن تكون عدواً لأمريكا أمر خطير، أما أن تكون صديقاً لها فقد يكون أشد خطراً”.
سنة قرآنية لا تتخلف:
ومن أعظم ما يبعث الطمأنينة في نفوس المؤمنين قول الله سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64].
إن هذه الآية لا تروي حادثة تاريخية فحسب، بل تكشف سنة ربانية متجددة، وهي أن كل مشروع عدواني يقوم على الظلم والاحتلال يحمل في داخله عوامل فشله، وأن الله تعالى يبطل مكر المعتدين مهما بلغت قوتهم.
ولقد رأينا هذه السنة تتكرر في محطات عديدة من تاريخ الصراع، حيث كانت كل حرب يشعلها الاحتلال سبباً في نشوء مرحلة جديدة من المقاومة، وفي ازدياد وعي الشعوب بحقوقها، حتى أصبحت القضية أكثر حضوراً وأوسع انتشاراً.
دروس التاريخ:
إن المتأمل في العقود الماضية يلحظ أن كل محاولة لإخماد روح المقاومة كانت تؤدي إلى نتائج معاكسة، فبعد نكبة عام 1948، نشأت موجة واسعة من المطالبة بالإصلاح والتغيير في العالم العربي، وبعد هزيمة عام 1967، برزت المقاومة الفلسطينية بوصفها التعبير الأوضح عن استمرار القضية، وعندما خرجت المقاومة الفلسطينية من لبنان، نشأت مقاومة جديدة حملت راية مواجهة الاحتلال، ثم جاءت الانتفاضتان الفلسطينيتان لتؤكدا أن إرادة الشعب لا يمكن أن تُقهر، وأن الاحتلال مهما امتلك من وسائل البطش يعجز عن إخماد روح الحرية، وفي عام 2000 تحقق التحرير في جنوب لبنان، ثم جاءت حرب عام 2006 لتفرض معادلات ردع جديدة، أثبتت أن الاحتلال لم يعد قادراً على فرض إرادته كما كان يفعل في السابق، وهكذا تتجلى سنة الله: كل محاولة لإطفاء جذوة المقاومة تتحول إلى سبب في ازديادها قوة وانتشاراً.
قراءة في الواقع السياسي:
إن التطورات السياسية الأخيرة تدل على أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة، وأن كثيراً من المشاريع التي رُسمت لإعادة تشكيلها لم تحقق أهدافها المعلنة، ولذلك فإن القراءة المتأنية للأحداث تقتضي الابتعاد عن الانفعال، والنظر إلى الوقائع بميزان المصالح والنتائج، لا بميزان الضجيج الإعلامي، وقد أثبتت التجارب أن الشعارات شيء، والحقائق على الأرض شيء آخر، وأن ما يُراد فرضه بالقوة قد يسقط أمام صمود الشعوب وثباتها.
لبنان بين الحقيقة والوهم:
وفي الداخل اللبناني، لا يزال بعض الخطاب السياسي أسير أوهام تجاوزتها الوقائع، فيستمر في طرح قضايا أثبتت التجارب عدم واقعيتها، بينما المطلوب اليوم قراءة المشهد كما هو، بعيداً عن الأمنيات والانقسامات.
إن بناء الدولة القوية لا يكون بتجاهل عناصر القوة فيها، ولا بإثارة الانقسامات، وإنما بالحوار، والتفاهم، والعمل على حماية الوطن ووحدته وسيادته، ولذلك فإن المرحلة المقبلة تقتضي خطاباً وطنياً مسؤولاً، يبتعد عن المزايدات، وينطلق من المصلحة الوطنية العليا.
نقول للذين يظنون ان السلام مع الكيان الصهيوني ممكن، اقرؤوا القرآن الكريم لتعرفوا صفات اليهود والصهاينة، فان لم يستطيعوا او لم يريدوا فليقرؤوا التوراة الذي كتبوه بأيديهم، ويأمرهم حسب زعمهم بتعميم القتل والدمار واستحلال دماء البشر جميعا، فان لم يستطيعوا او لم يرغبوا فليطلعوا على التجربة التي لا تزال ماثلة امام اعيننا جميعا، فان لم يرغبوا لكل ذلك فليطلعوا على كلام القادة الصهاينة الذين يتحدثون بكل وقاحة عن اسرائيل الكبرى.
ماذا تسمي هؤلاء؟ هل هم جهلاء ام اغبياء ام عملاء، ام ماذا؟ هذه الامور واضحة وضوح الشمس فالي اين تذهبون؟.
ان استهداف الصهاينة للمدنيين واعتمادهم اسلوب التدمير والتهجير، دليل على انهم فشلوا في تحقيق اهداف عسكرية، فهم يرضون غرورهم وكبرياءهم واوهامهم بقتل المدنيين وتهجيرهم … الخ.
التفاؤل بوعد الله:
إن من أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض اللبنانيين، وكثير من العرب والمسلمين، أنهم يتعاملون مع المشروع الصهيوني بسطحية، أو يتجاهلون طبيعته الفكرية والعقدية والتاريخية، وكأنهم يدفنون رؤوسهم في الرمال هرباً من الحقائق.
لقد بيَّن القرآن الكريم طبيعة هذا المشروع، وكشف كثيراً من صفاته ومواقفه، غير أن بعض الناس يقرأ القرآن دون أن يتدبر معانيه أو يستخلص دلالاته، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217]، وقال سبحانه: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82]، فإن لم يرجع المرء إلى القرآن، فليقرأ ما ورد في تراثهم، أو ليستمع إلى تصريحات قادتهم ومفكريهم، التي تتحدث صراحة عن مشاريع التوسع والهيمنة، وما يسمى بـ”إسرائيل الكبرى”، وهي تصريحات لا تزال تتكرر بأشكال مختلفة.
التجربة خير شاهد:
ولو تجاوزنا النصوص جميعها، فإن التجربة العملية تكفي دليلاً، فماذا كانت نتيجة اتفاقية أوسلو؟ وماذا حقق اتفاق وادي عربة؟ وماذا أنتجت اتفاقية كامب ديفيد؟ إن التجارب المتراكمة أثبتت أن الاحتلال لا يكتفي بما يحصل عليه، وإنما يسعى إلى مزيد من التوسع والضغط وفرض الوقائع الجديدة، كلما وجد الطريق ممهداً أمامه، ولذلك فإن الوعي بحقيقة هذا المشروع لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة لحماية الأمة وصيانة مستقبلها.
لقد اكد توقيع اعلان النوايا بين اميركا وايران ان بنود الاتفاق كما طريقة التوقيع ومكانه، كان نصرا سياسيا واضحا لايران ، ويكفي ان يُذكر في الاتفاق انشاء صندق لاعادة اعمار ايران، مما يشكل نوعا من الاعتراف بالعدوان على ايران، كما ان الاتفاق لم يذكر فيه، نزع سلاح حزب الله، بل ذكر انسحاب اسرائيل من كل الاراضي اللبنانية، ويكفي ان ترامب اختار قصر فرساي في فرنسا لتوقيع الاتفاق، ليضفي على الاتفاق طابعا تاريخيا تراثيا، باعتبار ان كثيرا من المعاهدات الدولية التاريخية وقعت هنالك، بينما وقع الرئيس الايراني وحده دون اي مراسم وكأنه يمارس امرا اداريا روتينيا.
ان تثبت ايران على مبادئها وتراجع ترامب عن كل اوهامه ومغامراته ، فهذا نصر كبير.
رابط فيديو: خطبة الجمعة: 19-6-2026:
https://www.facebook.com/reel/1071740755183517




